إدارة بوش استخدمت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي صباح الأربعاء 28/3/2001 ضد مشروع قرار يرمي إلى توفير حماية للشعب الفلسطيني، من مسلسل الإبادة البطيء الذي تنفذه قوات الاحتلال الصهيوني ضده، وجاء «الفيتو» ليحبط موافقة تسعة أعضاء على القرار بينما وقفت أربعة أصوات أوروبية على الحياد وتغيبت كندا عن الحضور. وهذه الخطوة التي اتخذتها إدارة بوش، بعد توقف الإدارة الأمريكية مدة أربع سنوات عن استخدام الفيتو، تتضمن جلاء لموقف إدارة بوش من الكيان الصهيوني، بعد رحيل كلينتون الذي قدم لذلك الكيان ما لم يقدمه سواه، وبعد تفاؤل 80% من عرب الولايات المتحدة الأمريكية، الذين صوتوا لبوش، بأن إدارته ستكون أقل انحيازاً للكيان الصهيوني من إدارة كلينتون، التي كان انحيازها له بلا حدود، ومفاصلها الرئيسية عناصر صهيونية. فهذه الإدارة تعلن بوضوح التزامها المطلق بكل ما التزمت به الإدارات السابقة واستعدادها للمضي إلى أبعد من ذلك. وتأتي هذه الخطوة في أثناء انعقاد مؤتمر القمة العربي في عمّان، وقبل توجه الرئيس مبارك والملك عبدالله الثاني إلى واشنطن، وبعد زيارة شارون للولايات المتحدة، التي أسفرت عن دعم أمريكي متجدد للكيان الصهيوني، وقبول للوجه الجديد للإرهابي شارون، إذ قال كولن باول: «فقد جاء رئيس الوزراء الجديد شارون، إلى هنا، وقد أجرينا وإياه محادثات مفتوحة وصريحة جداً جداً بين صديقين وتأكدنا من أن إسرائيل فهمت التزامنا التام بأمنها تماماً كما كان التزامنا طوال كل السنوات الخمسين الماضية» (منذ إنشاء إسرائيل). ومن نتائج زيارة شارون أيضاً: مواربة الباب الأمريكي أمام عرفات، وإطلاق بالونات اختبار من وزير الخارجية كولن باول فيما يتعلق بالقدس «عاصمة لإسرائيل»، وإبداء الرئيس بوش التزاماً متجدداً بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في الوقت المناسب: «قلت إننا سنباشر بإجراءات نقل سفارتنا إلى القدس». وقد يساعد قول الرئيس بوش أثناء استقباله لشارون في البيت الأبيض على عمق الصلة الجديدة بينهما وأبعادها، إذ قال بوش يوم 20 مارس وهو يستقبل شارون: «لقد كان لنا، رئيس الوزراء وأنا، لقاء في السابق: إذ قمت بجولة على الضفة الغربية بطائرة هليكوبتر، وكان هو الدليل. كانت مناسبة مثيرة... كان ذلك بالفعل يوماً مثيراً للغاية بالنسبة إليّ. إن لديه معرفة تاريخية مدهشة. لقد تعلمت الكثير عن صديقتنا (إسرائيل) من جولتي في الضفة الغربية بصحبتك، حضرة رئيس الوزراء. ربما لم تعتقد يومها أنك ستصبح رئيس وزراء، وربما لم تعتقد على الأكيد أني سأصبح رئيساً للجمهورية، ولكن ها نحن اليوم، وعلينا تحمل مسئوليات كبرى للعمل معاً، وأنا أتطلع قدماً لفعل هذا». دلالات ومؤشرات إن مدلولات هذه المواقف ومؤشراتها لا تتوقف عند حدود الضغط على العرب، وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني، لوقف الانتفاضة، ولا عند تبني وجهة نظر العدو بأن وقف العنف سابق على استئناف التفاوض وشرط رئيسي من شروطه، وأن الأمن مقدم على كل صيغ «السلام» وشرط صهيوني سابق يقتضي تطبيقه من الدول العربية أن تقف حارساً لأمن العدو المحتل وحدوده، وإلا اتهمت بمعاداة السلام، ومعادة السامية، وتبني «الارهاب» ورعايته... إلى آخر سلسلة التهم المعروفة. إنها مدلولات ومؤشرات تنصرف إلى تعزيز التطرف وإعطاء مصداقية للتهديد، الذي أطلقه ويطلقه زعماء الاحتلال والإرهاب في الحكومة الصهيونية والشارع الصهيوني في فلسطين المحتلة. وهو تهديد موجه للعرب الذين يقفون وقفة مبدئية مع الحقوق العربية الثابتة في فلسطين، ولكل من يناصرهم من المسلمين، ولكل من يحاول أن يغير موقفاً أو توجهاً أو يقصر في تنفذ اتفاقيات أبرمت مع الكيان الصهيوني من بعض الدول العربية، فعبارة توجيه ضربات «من إيران إلى اسوان»، التي جاءت على لسان أحد أقطاب حملة شارون الجديدة لم تأت عبثاً. والتهديد موجه ضد سوريا ولبنان بالدرجة الأولى، وضد سوريا في لبنان بأشكال نلمس مظاهرها بأساليب عفنة، لجعل البلدين (سوريا ولبنان) يتبنيان موقفاً سلبياً حيال المقاومة الوطنية الإسلامية في لبنان، وعلى رأسها حزب الله، ويعملان على تجريدها من السلاح، ونشر قوات حامية للاحتلال ومستعمراته في المناطق الحدودية وما بعدها. والتهديد المتجدد والمتصاعد النبرة، في حالات، موجه لسوريا تحديداً لتمنع فصائل المقاومة الفلسطينية الموجودة فيها من العمل ضد الاحتلال في الداخل ومن معارضة أوسلو، لتسهيل تمرير حلول على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية في وطنه، وعلى رأسها حق العودة الذي يحاولون طمسه بالتوطين والتعويض. وإذا كنا نسمع لهجة جديدة، ونتابع أخبار استعدادات جديدة في الكيان الصهيوني لتوجيه ضربات في الوقت الملائم، فإن ذلك ينبغي ألا يحجب عنا حقيقة وضع العرب حيال التهديد والتهويد... وهو وضع مهما حسُن على الورق وفي الإذاعات... فإنه وضع متهافت من بعض الجوانب. وقد يكون مفهوماً عجز العرب عن توفير قوة عسكرية في الوقت الراهن لمواجهة تحديات القوة المباشرة والاحتلال والاستيطان. ولكن ما لا يمكن فهمه أن يعجز العرب عن عقد اجتماع ناجح وفاعل لمكتب المقاطعة العربية للكيان الصهيوني. وهذا الواقع يدفعنا إلى السؤال التالي: هل من سبيل آخر لعمل عربي ناجز يحمي الإنسان والحق والمقدسات، ويحمي الانتفاضة والشعب الفلسطيني من مسلسل الإبادة؟! إن هذا السؤال يصطدم مباشرة مع وقائع ومعطيات غريبة، في المجالات السياسية والإعلامية والثقافية على الخصوص، وليس المجال الاقتصادي بأفضل منها، وإن كان يزحف باتجاه التحسن استجابة لواقع اقتصادي عالمي زاحف بقسوة وضاغط بقوة. معارك الغير في المجالات السياسية تموت كل حركة عربية ذات بعد قومي ـــ مبدئي ـــ تحرري... أو تخمد بأشكال مختلفة، ونلمس ذلك من مجال التعاون إلى دول إعلان دمشق، إلى لجنة المتابعة العربية لدعم انتفاضة الأقصى، إلى لجنة القدس، إلى لجان المصالحة وأشكال تلمسها. وفي هذه المجالات هناك من العرب من يخوض معارك الغير، بمن فيهم العدو الصهيوني، حتى لينسى نفسه وخصوصيته ومصالحه ومعاركه ـــ ومعركة الانتخابات الأخيرة بين باراك وشارون مثال، لا يحجب الانتخابات السابقة والأسبق بين نتانياهو وسواه ـــ وهناك من يتهم سواه من العرب عندما يدعو مجرد دعوة إلى التفكير بعمل سياسي عربي على أساس التجارب والثوابت والمباديء والمعطيات التاريخية للصراع مع العدو الصهيوني. وهكذا نجدنا حزمة أبواق بيد الغير على نحو ما، وأنغاماً ناشزة في آذان أجدادنا الذين خدموا التاريخ الوطني والقومي السليم ورفعوا قيم الأمة عالياً. وفي المجال الإعلامي وحتى الثقافي نجد من يخوض معركة العدو ضد الرأي العام العربي وتكوينه وتوجهاته واختياراته، ويحاول أن يفرض صورة ذلك العدو وخطابه ووجه نظره وباطله على العرب، معتلياً صهوة: السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان والعالم ـــ القرية، والعولمة التي ينبغي أن نتآلف معها، والعصر الذي يريد سدنته أن يفرضوا علينا في نهاية لمنطق المقاومة وحروب التحرير وصلابة الإرادة... وحتى نهاية للتاريخ؟! وفي المجال الثقافي، المتداخل مع الإعلام في فضاء دعائي، نجد من يتهم الأمة بالعداء للسامية ـــ وهي أصل الساميين وفرعهم إن صحت نسبة لسام بن نوح ـــ ويتبرأ منها ومن تفكيرها فيما إذا فكرت بإظهار باطل العدو وأساطيره وأعملت العقل والعلم ومنهج البحث العلمي في الوصول إلى الحقائق أو تصحيحها فيما يتعلق بالعدو وأباطيله وما كرسه من تاريخ زائف واستثمار لأساطير فظيعة الآثار على الحقيقة والعدالة والحرية والناس. كما نجد من ينعي عليها رد الاتهام عن المقاومة حين توصف بأنها إرهاب ويجاهر بوصفها بالإرهاب والتخريب، ولا يرى أنها حق مشروع لشعب تحتل أرضه ويُقتلع من وطنه، كما يجاهر ويفاخر برد اتهام الأمة العربية للصهيونية بأنها حركة عنصرية تجاوزت النازية في بعض الممارسات الوحشية! أما حين ترفض الأمة التطبيع فتراه يعربد في طول الأرض وعرضها ويود لو يكون صاعقة تنقض على رؤوس من يرفضون الاعتراف بدولة للعدو ولا يقرون تطبيع العلاقات معه! وأولئك حين تطرح عليهم حقائق الممارسات الصهيونية من خلال الواقع والممارسات والمذابح والجرائم البشعة، تجدهم ينزاحون عن الحقيقة والوطن والهوية والانتماء التام لأمة وحضارة وثقافة إلى «فضاء إنساني حضاري عام» يريدون دخوله على حساب الحق العربي والانتماء القومي وإنسانية العرب المنتهكة! إنهم يرفضون أن يعمل العرب على تثبيت الطبيعة العنصرية للصهيونية، ويسمون من يفعل ذلك عدواً للسلام ومعادياً للسامية ومتعطشاً للحرب، حتى لو كانت الحرب دفاعاً عن النفس ومفروضة على الأمة، ويتوجب خوضها من أجل المحافظة على الوجود، وتحرير الأرض والمقدسات، والمحافظة على الهوية والمصالح الحيوية للأمة! إنهم ينظرون في مرآة أعدها الغرب والصهاينة لهم، وهي مرآة خاصة جداً تضخم الخطأ العربي درجات ودرجات وتقزم الجريمة الصهيونية الاستعمارية درجات ودرجات... ولأنهم مأخوذون بهوى من نوع غريب يطمعهم في دخول عوالم غريبة من الشهرة والحظوة لدى سفراء الكيان الصهيوني ورموزه، فإنهم يشهرون سيوفاً ضد الأمة، ويقولون إنهم يشهرون تلك السيوف من أجلها وللدفاع عنها... وعلينا أن نقبل الحق باطلاً، والباطل حقاً، وأن ننظر إلى الأمور من الزاوية التي ينظرون منها إليها، وأن نأخذ بوجهة النظر التي تقدم إليهم فيقدمونها إلينا، وإلا... فنحن من عالم آخر ومن عصر آخر... عالم متخلف عدواني... إرهابي... غير حضاري ومعادٍ للسلام، وعصر لم يقترب من العصر الذي نعيش فيه ولم يستوعب منطقه بعد؟! في ساسة العرب من ابتلع هذا الوهم ويصدره لنا، وفي ثقافة العرب من ابتلع هذا الوهم ويصدره لنا، أو يصنعه من أجلنا. وفي إعلام العرب: وسائل وأدوات ورموز تعمل على تكريس هذا وتجريعه للناس بأشكال مختلفة... فأين تذهب الأمة يا ترى ممن يعلون ظهرها بسياط رؤاهم الاستعمارية أو الموالية للاستعمار، ومن يجلدونها بنظريات الصهاينة ونظراتهم للصراع والمنطقة والعرب... أين تذهب، وكيف تكتشف طريقها وتسير باتجاه وضع منقذ وخيارات منقذة؟! إن الاختيارات ينبغي أن تكون جذرية في ضوء معيار ومنطق ومنهج ترى العصر من زاوية التقنيات والأدوات والمعطيات ولكنه ينظر إلى الأمة من زاوية حقها في الوجود، وما قدمته للحضارة والإنسانية، وما تستحقه من مكانة وكرامة، وما يؤهلها لذلك ويمكنها منه. وبتقديري أن أمة العرب، لا سيما الانتفاضة والمقاومة والأقطار التي تدعم المقاومة والانتفاضة، وتعمل على تحرير الأرض في أفق وعمل قوميين، يعليان العام والخاص والمبدئي على العابر من القضايا والصراعات. إن الأمة مطالبة بمواقف جذرية من أولئك الذين يخربون من الداخل في كل المجالات، ومن الذين ينخرون جسدها ويعطلون إرادتها، بعمل سياسي أو ثقافي أو إعلامي مبرمج من قبل العدو، أو يرتبط بمصالح متبادلة معه، أو صادر عن مأخوذين... في حالة من التوهان والضياع تؤدي إلى خدمة العدو بأشكال مختلفة على حساب الأمة وقوتها ومصالحها. ولن يكون ذلك إلا بمراجعة مسئولة ودقيقة وسريعة للواقع والوقائع، واستخلاص نتائج في ضوء الانتماء والتحديات المطروحة والإمكانيات القائمة القادرة على التغيير، حين توظف توظيفاً علمياً وعملياً سليماً، لجعل الأمة تدفع عن نفسها: التهديد المتجدد، والفتك المستمر في بناها الداخلية: سياسياً واقتصادياً وثقافياً وإعلامياً... الخ... وتأخذ طريقها إلى بناء متماسك لا ينهار ولا يكون على جرف هار ولا على كثبان من رمال متحركة، وجعلها تملك زمام قرارها وإرادتها الحرة وتوظف طاقات أبنائها وإمكاناتها وثرواتها توظيفاً سليماً يمكنها من امتلاك قوة الحضور، وقوة تدافع بها عن نفسها وحضورها. وهل يكون ذلك إلا بملاحقة كل أشكال الفساد والتبعية والدونية والولاء لغير الله والشعب والوطن، وتسخير الطاقات الفردية والجمعية، العلمية والعملية واستثمارها في هذا الاتجاه؟!