هل يجوز أن نأخذ مأخذ الجد قرارات قمة عمان العربية باحياء نظام المقاطعة الاقتصادية العربية الموجه ضد اسرائيل؟ لكي ندرك مدى جدية او عدم جدية هذه القرارات علينا أن نطرح سؤالا اخر: لماذا لم يعقد مكتب مقاطعة اسرائيل التابع للجامعة العربية اي اجتماع منذ عام 1993؟ هنا نأتي الى تلك الحكمة التقليدية التي تتحدث عن عذر أقبح من الذنب. فاجتماعات مكتب المقاطعة توقفت لمدى ثماني سنوات متصلة حتى هذه اللحظة بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني «ثلثي الاعضاء» في كل مرة يصدر المكتب دعوة الى الدول العربية الاعضاء لعقد اجتماع! نحن اذن امام مسألة مريبة. ذلك ان ثلث الدول الاعضاء في الجامعة العربية على اقل تقدير لا ترغب في حضور اجتماع يمكن ان يسبب لها حرجا مع اسرائيل.. او بالأحرى مع الولايات المتحدة. ولنعد للوراء قليلا لنستجلي حقيقة الأمر. منذ أن تم تأسيس مكتب مقاطعة اسرائيل كجهاز تابع للجامعة العربية «ومقره في دمشق» في عام 1952 وهو يعمل وفق نظام دقيق يصدر بموجبه كل ستة شهور قائمتين سوداوين: واحدة باسماء شركات اسرائيلية.. وهذه يطلق عليها مقاطعة من الدرجة الاولى.. والثانية باسماء شركات من جنسيات اجنبية اخرى تتعامل مع اسرائيل.. وهذه يطلق عليها مقاطعة من الدرجة الثانية. وللمكتب حسب نظامه القانوني ان يقرر ان يشطب من قوائمه الشركات الاجنبية التي تثبت بالأدلة القاطعة والموثقة وقف تعاملها مع اسرائيل. كما يجوز له ان يضيف الى قوائمه اسماء شركات اجنبية اخرى. ماذا جرى إذن؟ مع حلول المناخ الذي أفرزته حرب الخليج الثانية في مطلع عقد التسعينيات وما تلاها من انطلاق «عملية السلام» ابتداء من عقد مؤتمر مدريد استثمرت الولايات المتحدة هذه السانحة خفية حيث رضخت غالبية الدول العربية لضغوط امريكية لتتخلى تلك الدول عن المقاطعة من الدرجة الثانية: اي مقاطعة الشركات الاجنبية التي تتعامل مع اسرائيل. والثابت من التجربة الواقعية ان المقاطعة من الدرجة الثانية هي التي ألحقت ابلغ الضرر بالاقتصاد الاسرائيلي. نأتي الان الى قرارات قمة عمان لاحياء نظام المقاطعة العربية ضد اسرائيل.. ومن الوهلة الاولى نستطيع ان نقول ان صياغة هذه القرارات هي في افضل الأحوال غامضة. فالقرارات تقول ان القادة العرب «يكلفون مكتب المقاطعة وضباط الاتصال بالاجتماع للنظر في تفعيل المقاطعة العربية لاسرائيل». وتتحدث القرارات ايضا عن «منع التعامل مع اسرائيل». هذه الصياغة التعميمية هي التي تشي بشيء من الريبة. فهي لا تأتي على ذكر المقاطعة من الدرجة الثانية بصورة محددة. ان الحكومات والاسواق العربية تتعامل حاليا مع ما لا يحصى من الشركات الامريكية والاوروبية واليابانية في كل المجالات التجارية والاستثمارية بعشرات المليارات من الدولارات مع استئناف هذه الشركات تعاملها مع اسرائيل بعد ان رفع عنها الحرج القانوني بسبب تحلل غالبية الدول العربية من نظام المقاطعة من الدرجة الثانية. المطلوب اذن وبصورة محددة وقاطعة لا تحتمل اي لبس هو اعادة الاعتبار للمقاطعة من الدرجة الثانية لتدرك شركات العالم الصناعي العاملة في اي ميدان من السلع الاستهلاكية الى مشاريع المقاولات العملاقة انه لا مستقبل لها في الاسواق العربية اذا لم تقطع علاقاتها التجارية والاستثمارية مع الدولة اليهودية العدو.