بحكم التوقعات.. فإن ما خرجت به قمة عمان يعتبر مجموعة من الإنجازات. فقد انعقدت القمة فى موعدها وهذا فى حد ذاته إنجاز، ومرت رغم أزمة العراق، والكويت على خير.. فلم ينسحب أحد ولم تصل المناقشات إلى حد الاشتباك وهذا إنجاز آخر. وأعطت القمة للسلطة الفلسطينية ما طلبته من دعم مادى وإلى حد ما سياسى وهذا إنجاز ثالث، وأقرت القمة الدعوة لأول قمة عربية اقتصادية فى نوفمبر المقبل وهذا إنجاز رابع. وخطت القمة خطوات نحو المصالحة وإن لم تستطع الوصول إلى النتائج المرجوة وهذا إنجاز خامس وعلى هامش القمة تحققت خطوة كبيرة بالمصالحة السورية التى شملت لبنان أيضا وهذا إنجاز يسبق كل ما تقدم. بحكم المتوقعات.. لم يكن أحد يتوقع خيرا من ذلك.. ولكن بحكم ما هو مطلوب وممكن معا.. فإن ما تحقق فى عمان لا يتفق مع طموحات الأمة ولا يشكل إجابة على التحديات الهائلة المطروحة عليها. وبحيث أصبح الترحيب بنتائج قمة عمان يعنى فى نفس الوقت إقرارا منا بالعجز الرسمى عن التعامل مع عناصر الأزمة التى نواجهها. وهو أمر سوف تكون له أوخم العواقب، يدفع النظام العربى فى النهاية ثمنه فادحا بحكم التوقعات. القمة نجحت وأنجزت.. وبحكم المطلوب والممكن والمتاح القمة تمثل حالة العجز العربى التى تواجه الغطرسة الإسرائيلية بالتمسك بالصبر على المكاره باعتباره فضيلة عربية أساسية، وتواجه حرب الإبادة التى يشنها الإسرائيليون على الشعب الفلسطينى ببيانات الاستنكار، وتواجه الإنحياز الأمريكى الفاضح و(الفيتو ) الذى صفع القمة أثناء إنعقادها ومنع العالم من توفير الحماية للفلسطينيين.. بالاستياء الذى لن تنام له عيون واشنطن ! إن السؤال الذى يطرح نفسه على الجميع هو : هل هذا هو ما تملك الأمة العربية أن تفعله.. الصبر والاستنكار والاستياء وكفى الله المؤمنين شر المواجهة ؟! وإذا كانت الأمة تملك ما هو أكثر فلماذا لاتستخدمه وهى تخوض معركة تحدد مصيرها ومستقبلها ؟ والاجابة باختصار.. إن الأمة تملك الكثير، ويبدو الكثير،ويرضى النظام العربى بأقل القليل لأنه يفتقد الإرادة السياسية، ويعيش حالة إنهزام داخلى ويهرب من أى مواجهة حقيقية لأنه غير قادر عليها ويدارى عجزه ببيانات الشجب والاستنكار إن أمكن، وبإجراءات الحد الأدنى إذا أشتدت ضغوط الشارع العربى. ونبدأ بالمقولة التى تحولت إلى نشيد قومى للنظام العربى، وهى أن (السلام هو الخيار العربى الإستراتيجي) ولا اعتراض بالطبع على ذلك ولا يعنى ما نقول إننا دعاة حرب بل العكس هو الصحيح. فنحن نؤمن أن السلام كان هو الخيار العربى على الدوام ولكن هل كان ( وهل أصبح) هو خيار أعدائنا ؟! من يريد السلام لا يحتل أرض غيره، ولا يشن حرب إبادة على شعوب أخرى، ولا يعلن أن أمنه هو الهدف الذى ينبغى أن يسعى له العالم كله، ولو على حساب أمن الآخرين واستقرارهم وتقدمهم. وهذا ما تفعله إسرائيل وما تطالبنا بقبوله وإلا فنحن أعداء السلام ودعاة الإرهاب. نعم.. السلام هو اختيارنا الاستراتيجى، ولكن هذا السلام لن يتحقق إلا بعودة الحقوق العربية، ولن يستمر إلا بتوازن حقيقى فى القوة يمنح العرب الفرصة لحماية أوطانهم، ولا يغرى أعداءهم بالعدوان عليهم. إن خيار السلام لا يعنى أن ننفض أيدينا من قضايا أمننا، ولا يعنى أن نترك أمرنا بأيدى غيرنا، ولكنه يوجب علينا أن نمتلك القوة التى تحمل السلام والتى تجبر العدو على إعادة الحقوق، وتفرض على الواقع توازنا حقيقيا فى القوى هو وحده الذى يمنع الحرب ويقلل من فرض العدوان. وفى ظل هذه الحقيقة، وفى ظل الإدراك بأن موازين القوى العسكرية ليست فى صالح العرب، وأن الظروف الإقليمية والدولية تعطى لإسرائيل التفوق غير المحدود فى هذا المجال.. تصبح الحرب النظامية مستبعدة، ولكنه البديل لايمكن أن يكون الإستسلام ولايمكن أن يكون الرضوخ للعدو.. وإنما المقاومة والمقاومة وحدها هى الحل.. وفى هذا الميدان تملك الكثير من الأوراق التى نستطيع إستخدامها ولا نفعل، والتى تتيح لنا تعديل موازين القوى لصالحنا. ومن هنا تدرك كل القوى إن إنتفاضة الأقصى هى العامل الجوهرى الذى ينبغى بناء الموقف العربى عليه فى هذه المرحلة. ومن هنا تتصاعد الضغوط الأمريكية لمنع العرب من دعم الإنتفاضة ويتصاعد التنسيق الأمريكى الإسرائيلى للقضاء على الإنتفاضة، مع إشاعة الذعر فى الأوساط الرسمية العربية بترديد مقولة أن خطر الإنتفاضة على الأنظمة العربية أكثر من على الكيان الصهيونى، وأن إنتقال مشاعر الغضب إلى الشارع العربى سوف تدفع الأنظمة العربية ثمنه فادحا. وهى مقولة قد تكون صحيحة إذا كانت هناك قطيعة بين الأنظمة والشارع العربى، ولكنها تصبح زائفة إذا كانت السياسة العربية تعبيرا عن نبض الرأى العام العربى وترجمة لمشاعر وطموحات الشارع العربى. الإنتفاضة ينبغى أن تستمر، والمقاومة ينبغى أن تتصاعد، والقضية ينبغى أن تعود لأصلها.. قضية أرض محتلة لابد أن تتحرر، واستعمار صهيونى لابد أن يرحل، وقدس عربية لابد أن تعود، وأمن للمنطقة لن يتحقق إلا بتحقيق التوازن الدقيق مع العدو الإسرائيلى. وإنهاء إنفراده بإمتلاك السلاح النووى واستغلال ذلك للسيطرة على مقدرات المنطقة. ومن هنا فقد كان المطلوب من قمة عمان لو كانت الأنظمة فى مستوى التحديات أن تطلق عدة رسائل واضحة وواقعية وبعيدة عن العنتريات والعبارات الإنشائية. كان المطلوب رسالة للعدو الإسرائيلي، تقول إنه لا سلام ولا أمن إلا بتطبيق قرارات الشرعية الدولية، وأن العرب قد قدموا أقصى ما يمكن من تنازلات حين قبلوا بصيغة مدريد (الأرض مقابل السلام) وأن ذلك لا يعنى ولا ينبغى أن يعنى إلا شيئا واحدا : حدود يونيو 67 كاملة، مقابل إنهاء حالة الحرب. إن الإقرار بذلك هو الخطوة الجوهرية إذا كان العدو جادا فى الوصول إلى التسوية السياسية، أما الارتكان إلى فرض التسوية بالشروط الإسرائيلية فهو وهم لن يتحقق مهما امتلك العدو من وسائل القوة، ومهما جرى وراء أوهام جنرالات يتصورون أنهم قادرون على تغيير التاريخ والجغرافيا وبناء امبراطورية على بحر من الدماء العربية. ويرتبط بذلك رسالة أخرى للعدو الإسرائيلى بإيقاف حرب الإبادة التى يشنها على الشعب الفلسطيني، وإلا فعليه أن يدرك أن الأمة العربية قادرة على حصاره وفرض المقاطعة الشاملة عليه وتعرية سلوكه النازى أمام العالم.ودعم المقاومة الفلسطينية المشروعة بكل ما تحتاجه ماديا وسياسيا واقتصاديا حتى تصبح قادرة على تلقينه الدرس الذى تلقاه من المقاومة اللبنانية. وحتى يتم ذلك فكل العلاقات الرسمية والشعبية العربية مع الكيان الصهيونى ينبغى أن تتوقف، والحصار الكامل على حكومة شارون ينبغى أن يكتمل، ورفض أى إتصال أو تفاوض مع الحكومة الإسرائيلية ينبغى أن يتم. وكان المطلوب رسالة واضحة من العرب لأمريكا.. ولا تكتفى بإبداء الاستياء ولا ترضخ لتعليمات واشنطن، ولا تغض الطرف عن سلوك، واشنطن الشائن فى الانحياز للعدوان الإسرائيلى ولا فى حرب الإبادة التى تشنها الحليفة الاستراتيجية لواشنطن على شعب عربى أعزل. كان المطلوب رسالة واضحة لواشنطن تقول : إن المصالح الأمريكية فى المنطقة وما أكثرها لايمكن أن تظل آمنة فى ظل هذا الإنحياز الأمريكي لإسرائيل. وأن الوجود الأمريكى فى حد ذاته لن يضمن هذه المصالح، وإسرائيل المدعومة من أمريكا لن تضمن هذه المصالح.وحدها العلاقات القائمة على الاحترام والعدل بين أمريكا والعرب هى التى تضمن الاستقرار فى المنطقة وهى التى تجعل مصالح أمريكا جزءا من المصلحة العربية العامة. إن مراجعة شاملة لسياسة استخدام الفوائض المالية العربية هى أمر ضرورى لتصبح عنصر قوة للموقف العربى بدلا من أن تصبح رهينة فى بنوك الغرب وفى السندات الحكومية الأمريكية. كما أن مراجعة أخرى لصفقات السلاح مع أمريكا تصبح ضرورية حتى لا يتحول العرب إلى مجرد عنصر تشغيل لمصانع السلاح الأمريكية بصرف النظر عن الحاجات الحقيقية لهم. العلاقة مع أمريكا عنصر هام فى السياسة العربية. والمهم أن يدرك العرب أن فى أيديهم أوراقا يمكنهم استخدامها حتى وهم يتعاملون مع القوة الأعظم. بل إن عمق العلاقة وتنامى المصالح الأمريكية فى المنطقة ينبغى أن يكون عنصر قوة للموقف العربى. والمهم هنا أن تكون هناك رسالة عربية واضحة لأمريكا بأن الترابط بين قضايا الأمة العربية أمر محتوم، وأن المصالح الأمريكية لا يمكن أن تتحقق فى المنطقة وثلث الأمة العربية يعيش تحت الحصار، وثلثها يتم إغراقه فى حروب أهلية أو يتعرض لحرب إبادة كما تفعل إسرائيل مع الشعب الفلسطينى بمباركة أمريكا ودعمها. وكان المطلوب رسالة عربية إلى الأمة نفسها. رسالة تقول إن الأنظمة العربية تعرف عمق الأزمة التى تمر بها، وتدرك أنه لا سبيل إلى تجاوزها إلا باستعادة الإرادة المفتقدة، وبالإيمان بأن الشرعية الوحيدة لها هى الشرعية التى يمنحها الوطن بكل أبنائه، والطريق الوحيد لمواجهة التحديات هو استنهاض كل عناصر القوة التى تملكها الأمة. وما أكثرها وما أشد تأثيرها إذا امتلكنا القوة والإرادة لاستخدامها الاستخدام الأمثل. لقد كنا نتمنى أن تتم المصالحة العراقية الكويتية فى قمة عمان لكى تكون إعلانا بأمرين هامين: أن النظم العربية على قدر المسئولية التى تواجهها، وأن الأجندة الأمريكية التى ترسمها للمنطقة ليست قضاء وقدرا ! وكما أسعدنا الإعلان عن أول قمة عربية اقتصادية فى نوفمبر المقبل والتى نرجو أن تتخذ خطوات على الطريق الصحيح. فقد كنا نتمنى أن نعلن عودة الحياة لاتفاقية الدفاع العربى المشترك ولو من حيث المبدأ لتكون رسالة للجميع أن الأمن العربى هو قضية العرب أجمعين. وأن ما حدث فى كارثة حرب الخليج الثانية لن يتكرر، وأن تحرير الأرض العربية هو مسئولية العرب أجمعين، وأن العدوان على قطر عربى هو عدوان على الجميع.. وكم كان هذا مهما ونحن نسمع من يدق طبول الحرب حولنا ومن يهدد بضرب دمشق واحتلال بيروت ونسف السد العالى، ومن يردد أن بوارجه وطائراته قد جاءت إلى المنطقة لتبقى إلى الأبد ! ولا أريد أن أسترسل، فالمطلوب كثير، والممكن أيضا كثير، وليس صحيحا أننا لانملك أوراقا فى تقرير مصيرنا ومصير المنطقة، وليس صحيحا أننا أضعف من أن نقاوم وننتصر فى معاركنا. فنحن رغم اختلال الموازين نملك الكثير، ولكننا نبدد الكثير لأننا نفتقد الإرادة السياسية القادرة على إدارة الصراع بكفاءة، وإستخدام الأوراق العربية بمهارة. والنتيجة أن نخضع لابتزاز الآخرين، وأن نفرط فى حقوق لا نملك التفريط فيها، وأن نترك إسرائيل تفر بجرائمها، وأمريكا لا تعبأ بإنحيازها ضدنا، والعالم يتفرج على ما يتعرض له شعبنا العربى فى فلسطين من مذابح وإبادة ثم يطالبه ويطالبنا بالصبر والتخلى عن العنف. المطلوب كثير، والممكن أيضا كثير، وعندما نقول الآن إن قمة عمان قد نجحت وانجزت، فإن هذا يعنى فى الوقت نفسه أن توقعاتنا كانت عند الحد الأدنى. والحد الأدنى قد يضمن السلامة ولو إلى حين.. ولكنه لا يحرر أوطانا ولا يبنى أمما ولا يصلح فى صراع مصير مثل هذا الذى تمر به الأمة العربية الآن.