اليوم أول ابريل، وحقيقة لا أعرف سر الكذبة الملازمة لبداية هذا الشهر، لكنني منذ أيام المشاكسة، ومشاغبات المدرسة وأزقة الطفولة، أعرف شيئاً اسمه (كذبة ابريل) وقد كانت صديقات لنا يتفنن في التحضير لهذا اليوم، كتلك الزميلة التي جاءت ذات يوم من أيام بدايات أبريل تسير بعكازين، وقد جبست احدى ساقيها وكانت في حالة يرثى لها، واحتشدت المدرسات واعطيت اجازة مرضية، وأعفيت من دروس الرياضة والطابور لان حالتها لا تسمح! ولكنها في اليوم التالي جاءت تطير كفراشة ضاحكة على الجميع، فقد كان كل ذلك: كذبة ابريل!! فانتبهوا ايها السادة جميعاً! ومع ذلك فقد كنا نضحك من هذه المقالب والحركات، ولا ندخل في متاهات التحليل والتحريم والكذب المباح والآخر المكروه والمحرم، والابيض والاسود، كل ما في الأمر أننا كنا نتبادل بعض القفشات والاخبار الملفقة، ثم نكشفها لبعضنا البعض ممعنين في الضحك، ويمضي نهار اليوم وأيام العمر برخاء يشبه أمسيات الشتاء الندية، بلا زعيق أو تأنيب أو تنظيرات كئيبة. اليوم ما زالت مجتمعات في مناطق كثيرة حول العالم، تحتفي بأول ابريل، وتخترع أكاذيب تصل حدود الاجرام والاذى والاضرار بالآخرين، ومع أنني لا أظن ان الكذب يمكن أن يكون شكلاً آخر للتسلية أو المتعة، إلا أن هناك فرقاً كبيراً بين المقالب البريئة التي يكشفها اصحابها سريعاً قبل مضي النهار، وبين مقالب ثقيلة قد تودي بحياة الناس أو قد توقف نبض قلوبهم احياناً! وحقيقة لابد ان نعترف في دواخلنا بأن أول (نيسان) لا علاقة له بالكذب، فالناس تكذب طبعاً أحيانا، وتطبعاً في أحيان أخرى، الناس تكذب على نفسها قبل ان تكذب على الآخرين، وتظل تمارس اثمها الكبير هذا كل النهار أحيانا، وكل العمر أحيانا، حتى ان البعض يحلم اثماً وزوراً وكذباً، فيصنع أحلاماً كاذبة، ويؤسس لمشروع أحلامه الكاذب حياة ومعاملات وعلاقات كلها ينطبق عليها اسم (مؤسسة الكذب اللامحدودة)!! وحينما أرقب أحاديث أناس مع بعضهم مواجهة أو عبر الهاتف، مع أصدقاء أو زملاء أو غرباء أحصي في الساعة الواحدة عددا من الكذبات يبعث على الدهشة فعلاً! وقد تفنن البعض فلوَّنوا الكذب، جعلوه أبيض وآخر أسود، وربما هناك كذب بألوان الموضة، لكنني اعتقد بأن الكذب، كما يقول العلماء نوعان: كذب يقود إلى اخفاء الحقيقة كلها أو جزء منها بادعاء صاحبها انه لا يتذكر هذا الأمر الذي سئل عنه مثلا أو يدعي ان ذاكرته تخونه أو يمثل دور الغاضب أو الناسي أو يلتزم الصمت، وهو بذلك يهرب من قول الحقيقة أو كل الحقيقة لغاية في نفسه، أما النوع الآخر فالكذب الذي يشوه الحقيقة، أو يختلق ما ليس موجودا، كالزوج الذي يختلق حكاية لا أول لها ولا آخر لزوجته إذا قبضته متلبساً بالعودة إلى المنزل ما بعد الساعة الثالثة صباحاً!! في السياسة: الأنظمة تكذب على شعوبها وتختلق لهم ما ليس حقيقياً فتدعي عدم قدرتها على رفع مستواهم المعيشي وتوفير أرقى سبل الحياة لهم بينما هي في الحقيقة تسرق مقدراتهم وثروات الدولة سراً وعلانية، بينما تكذب الشعوب على نفسها حينما تصمت وتصدق هذا الكذب، وتمارسه على حياتها وحياة أجيالها، وهكذا تعيش الكرة الأرضية كلها بين حدي الكذب، فهناك دائما من يكذب وهناك من يمَارَسْ عليه الكذب يوميا، بل كل دقيقة، بعيدا عن أول (نيسان) الذي هو في الحقيقة موعد ائتلاف الربيع وتبرعم الورد وبزوغ ألوان الحياة على تخوم الكون وحدود الدنيا.