كان ترتيلاً في معبد الحب، كانت صلاة في غير موعدها، كان همساً، كان سحراً، كانت مناجاة من القلب الى كل القلوب، عبر نغم إنسال عطراً، فاح عبقاً طيباً، كانت ليلتها وهي تشدو للحب وللناس وللوطن وللقدس الجريح، وكانت تراتيل ليلة فيروزية ندية. فيروز هنا قريبة من القلب، فيروز معنا تكلمنا عن الحب، حيث طوعت الكلمة لحناً واللحن نغماً، والنغم شدواً، والشدو قلائد فرح. فيروز جاءت الينا لتعلمنا معنى النغم، وأصالة الكلم، غنت في مسرح الجامعة الامريكية في دبي لمحبيها، ورغم صغر مساحة القاعة، لكنها جعلتها كبيرة كقلبها، واسعة شاسعة كشدوها، وليت تلك القاعة ما دخلها الجمهور، وكانت الليلة قاصرة فقط على أنصاف المطربين من مغني هذا الزمان الرديء، حتى يتعلموا كيف يكون الاداء وحلاوة الغناء، وتقديس الجمهور واحترام الاذواق، وحشمة الملبس ورهافة الحس، واحترام حرمة المكان، والتفاعل مع كل وجدان يصله النغم المموسق والكلمة الحلوة المعبرة. ليت الذين اغتنوا من الغناء وماغّنوا حضروا ليشهدوا سيدة الطرب كيف تغني، فلو اتوا لكان قرارهم ترك الغناء، لانهم يعيشون جميعا زمناً سادت فيه اغنيات شعبان والاسمر وعدوية وحكيم وغيرهم من أصحاب الموجة «الهبابية» الذين ساعدتهم الظروف فأصبحوا هم أهل الطرب والمغنى علماً بأنهم ليسوا سوى متربين غبروا حياتنا، وملأوا الجو ضجيجاً وزعيقاً، وعليه من الصعب المقارنة لانهم مجرد ظواهر تأتي وتختفي فلا أثر يتركونه ولا وجدان يحركونه. وفيروز التي تغني وتبدع طيلة نصف قرن لاتزال تمنح الفرح للجميع، ولاتزال رغم السنوات شامخة وسامقة، بهية الطلة، تسطع كنجوم الليل، تضيء ما حولها كما القمر، تحمل الاشواق والاشتياق للمحبين والمتعبين والسهارى، ظلمة الليل معها تتبدد وهي تتألق وتتجدد، حنجرتها الذهبية هي كما هي، لا غبار الزمان ولا رحلة النسيان غشتها، هي الملكة المتوجة على عرش الغناء، وما سواها مجرد غثاء، مجرد هراء، كأنه قبض الريح وباطل الاباطيل. من لم ير فيروز في ليلتها وهي تشدو على مسرح الجامعة الامريكية في دبي، لم ير القمر وهو ينير الكون.. لم يشتم عبق الزهر وهو يعطر المكان، لم يعش لحظة صدق عامرة بالايمان، لم يسمع صدح البلابل فوق الاغصان. لله درك يا فيروز فقد كنت وكنت وكنت.. أطال الله عمرك مددا وزاد سنين حياتك عدداً، لتعطي وتعطي فالفن دونك فانٍ والنغم غيرك ثانٍ، لا لون له ولا طعم ولا رائحة.. ويا مطربي هذا الزمان كفى أحزاناً لان مكانكم غياهب النسيان. آخر نقطة يستطيع النهر ان يحافظ على اسمه حتى لو جفَّ .. ويستطيع الياسمين ان يعطر الفأس حتى لو هوى على اغصان شجرته!