يبدو ان هناك اموراً في الحياة صعب ان نتورط في حالة عشق معها، فإذا حدث وعشقناها صار من الصعب مغادرتها، او احتمال الحياة وتفاصيل الوقت بدونها، ومن الغريب ان تتلبسنا صعوبة بالغة في العودة اليها مجدداً اذا نحن غادرناها زمناً!! اما لماذا؟ فلا أدري! لكنني اعلم يقينا ان الكتابة شيء من المحال، وجذوة من الروح صعب فراقها وصعب العودة اليها! وها أنذا أعاني صعوبة ان افتح عيني على اتساعهما، واسكب حبر قلمي حتى نهاياته في حضرة نور الورق الابيض الذي يتناثر على مكتبي، اغراء تارة، وتحدياً تارة اخرى!!. لقد وقفت كثيراً ما بين حدي الاغراء والتحدي، اسائل نفسي من اين ابدأ معكم هذا الصباح، بعد ان اقول مرحباً، صباح الخير أيها القراء الاعزاء، وحينما تكاثفت الصور وزادت الصعوبة وصارت تفاصيل ما يمكن الكتابة عنه تتسارع في مخيلتي كعربات القطارات السريعة، تركت كل شيء على المكتب، اعدت غطاء القلم، نحيت الاوراق، ارتديت ملابسي، اغلقت باب غرفتي، وفي الطريق الى السيارة احتضنت مجموعة ملائكية حميمة من الاطفال جاءوا حاملين ازهاراً بجمال ارواحهم وعذوبة تحياتهم، ثم حركت سيارتي الى حيث مقر الجامعة الامريكية في دبي، كان ذلك ليلة الخميس الماضية عندما احيت شاعرة الصوت الفيروزي الذي لا يمكن إلا المضي اليه حيثما كان حفلها الرائع برعاية الجامعة. اليوم، وانا اكتب مقالي بعد غياب قصير، لا استطيع ان ابدأ سوى مع فيروز، فذلك، أفضل كثيراً من التعليق على خطة شارون الجهنمية لتوسيع نطاق الضربات الجوية على اراضي الضفة وغزة واقتحام مدن الخليل. أقول أفضل ولا أقول أهم، ذلك ان قلوبنا اصابها الضنى والذبول من هذا الدرس السياسي الثقيل الذي تلقيه على مسامعنا وفي وعينا يومياً الادارة الامريكية وحليفتها الاولى «اسرائيل»، صرنا مخلوقات سياسية ثقيلة، نقتات الوطأة والحزن والقهر والغضب، وكأننا خلقنا لنكون اشد الناس كآبة واكثر الناس استحقاقاً للظلم والاعتداء والاستسلام!. أقول افضل لان فيروز صوت السلام الذي يأتينا من حيث لا ندري، ليتغلغل فينا الى حيث لا نعرف، فيظل غائصاً في ارواحنا ينثر فيها رائحة الزنبق والياسمين، ويلوح للغائبين بالتحايا، ويرفرف الشال بأغنيات العشق، ويتمرجح العمر في الجدائل، والمقاهي العتيقة، والكراسي التي كتبت قصص العشاق الصغار والكبار، أليس ذلك افضل من الكتابة عن وجه بوش الناقم والمتفجر غضباً فجاً وقحاً بسبب الارهاب الفلسطيني؟! تسمر الناس في مقاعدهم طوال حفلة فيروز، وتسامت فيروز كعادتها، فكانت صالة ثقافية متكاملة، أليست الفنانة الوحيدة التي يعزف في حفلها السلامان الوطنيان للبنان وللبلد الذي يستضيف حفلها انها وطن، فيروز هي لبنان، ولذلك فهي تصر على ان تقف بشموخ واسطورية تماماً كشموخ جبال لبنان وارزه وجنوبه وتاريخه وانسانه الجميل، وحينما تذهب لتحضر حفلاً لهذه السيدة الشامخة يفاجئك وانت في مقعدك القريب من المسرح انها بكل هذا الكبرياء ليست سوى سيدة بحجم قبضة ورد مخملي رهيف، لكنه الصوت الذي يشبه السحر والشعر والموسيقى، وربما اكثر يجعل منها نبضا للروح وذاكرة للماضي الجميل وحالة فيها من السطوة ما يصل حد العبقرية. ان تضم الجامعة الامريكية هذا الحفل الرائع فهي تستحق الشكر، وان تسكننا فيروز منذ الطفولة حتى آخر العمر فذلك سرها ومصدر عبقريتها، لقد تمرن الزمن في صوت شاعرة الصوت، فصرنا سريعاً ننجدل معها في صلاة الاصغاء الاستثنائية.. اما صوتها فيجعلنا كما قال احد الشعراء: صوتك يجعلني ارفض اشياء كثيرة.. واقبل أشياء أكثر.. صوتك يا سيدتي الاميرة في ليلنا قنديل.. يجعل قلب العالم يسطع في الظهيرة.. يشد أزر عابر السبيل في الليلة المطيرة.. صوتك يا سيدتي الاميرة.. يبعث في جوانحي أمنية اسيرة.. ان ابصر الوجود ابيض.. معطر السريرة!