لم تكتف واشنطن بالتجريح.. فأتبعته باساءة. وكون ان التجريح ومن بعده الاساءة يصدران، والقادة العرب منهمكون في اجتماع قمتهم في عمان فان ذلك التزامن العجيب ليس له إلا معنى واحد: ان القمم العربية ليست اجتماعات للعمل بقدر ما هي مناسبات للتباري في البلاغة اللغوية. التجريح الامريكي للعرب جاء على هيئة «فيتو». فقد استخدمت الولايات المتحدة حق النقض في مجلس الامن الدولي يوم الاربعاء الماضي فأحبطت بضربة واحدة مشروع قرار ينص على ارسال قوة مراقبين من الامم المتحدة الى الضفة وغزة لتوفير حماية دولية للشعب الفلسطيني في وجه آلة الحرب الاسرائيلية المتقدمة. ولولا الفيتو الامريكي لفاز مشروع القرار بأغلبية مريحة من اصوات الدول الاعضاء. فمن بين 15 دولة عضو ايدته تسع دول. وحتى الدول الخمس (عدا امريكا) التي لم تؤيده لم تبد معارضة ضده.. ومن بينها بريطانيا وفرنسا. اما الاساءة فانها تتمثل في تعقيب رسمي من الولايات المتحدة صدر بعد عملية التصويت في مجلس الامن مباشرة. فقد قال المندوب الامريكي لدى الامم المتحدة جيمس كاننجهام ما نصه: «أنا واثق أن هذا الأمر لن يؤثر على علاقاتنا مع اصدقائنا العرب». وإذا كان هذا القول الصريح لايعني سوى ان العلاقة الرسمية مع امريكا تأتي في نظر العرب قبل التزامهم تجاه الشعب الفلسطيني، فماذا تعني؟ نحن في هذا السياق لا نتحدث عن اسرار أو تدابير خفية وانما عن وقائع معلنة في وسائل الاعلام على مستوى العالم بأسره. ومن هذه الوقائع ذات الدلالة ان البيان الختامي لقمة عمان يخلو من اوله لآخره من اي ادانة ــ حتى مجرد الادانة اللفظية ـــ للولايات المتحدة كشريك إجرامي للدولة اليهودية ضد الامة العربية. ولكن، ربما يقول قائل، ألم يشر البيان الختامي الى واقعة الفيتو الامريكي؟ نعم لقد ورد في احدى فقرات البيان أن القادة العرب يعبرون عن «استيائهم البالغ» لاستخدام الولايات المتحدة حق النقض لكن الاستياء والاعراب عنه ليس إدانة. ان الادانة هي الخطوة التي تلي الاستياء.. لكنها خطوة أحجم عنها البيان. لقد جدد القادة العرب في بيانهم الختامي مطالبتهم لمجلس الامن الدولي «بضرورة تحمل مسئولية توفير الحماية الدولية اللازمة للشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال الاسرائيلي وتشكيل قوة دولية لهذا الغرض». وبالنظر الى ما جرى بالفعل داخل مجلس الامن الدولي في تحرك عدواني امريكي ادى كما رأينا الى سقوط مشروع القرار المطروح، فإن اكتفاء القادة العرب في بيانهم بتجديد المطالبة الى مجلس الامن أمر أقل ما يمكن ان يقال عنه انه غير مفهوم. ان مشروع القرار سقط لا لأن مجلس الامن وقف ضده.. وانما لأن دولة عظمى واحدة بالاسم والصفة استغلت امتيازها في استعمال حق النقض فأحبطت المشروع بضربة أحادية. الخطوة المنطقية التالية إذن على الصعيد العربي هي، ليس تجديد مطالبة الى مجلس الامن، وانما اتخاذ موقف صارم وحازم ضد من استخدم الفيتو.. وإلا فإن المشهد سوف يتكرر بسلبيته: مشروع قرار تتقدم به الدول العربية كطليعة لمجموعة دول عدم الانحياز.. وبعد أن يتم استقطاب عدد كافٍ من اصوات الدول الاعضاء في مجلس الامن الدولي تقوم الولايات المتحدة في نهاية المطاف بنسف المشروع بضربة الفيتو. يبقى إذن سؤال هل من المنتظر ان تلجأ الدول العربية الى تبني تدابير ضغط جماعي لحمل الولايات المتحدة على تغيير موقفها؟ انه سؤال مفتوح لأمد غير معلوم.