تتمحور مشاكل تركيا مع سوريا في ثلاثة اتجاهات: المياه، الحدود، حزب العمال الكردستاني. وقد أغلقت سوريا ملف حزب العمال الكردستاني بابعاد أوجلان عن سوريا واغلاق معسكرات الحزب في البقاع. أما مشكلة الحدود والمتعلقة باقليم الاسكندرونة الذي كان في الماضي جزءاً من سوريا ثم انتزعته منها تركيا، فإن سوريا لم تعد تطالب به، وإن كانت تربط التسليم بذلك رسميا والاعتراف بالحدود التركية الحالية كما تريد أنقرة بابرام اتفاق نهائي تقر فيه تركيا بحقوق سوريا في مياه الفرات. حيث تطالب سوريا بضخ 750 متراً مكعباً في الثانية من مياه الفرات اليها بالنظر لاحتياجاته سوريا المتزايدة من المياه مع تزايد عدد سكانها، إلا أن تركيا تصر على ضخ 500 متر مكعب في الثانية فقط، كما ترفض توقيع اتفاق نهائي لتوزيع مياه الفرات، وتطرح في المقابل فكرة توزيع المياه على أساس (الاستخدام الأمثل) أي الحاجات الفعلية لكل شعب، وقدرته على الاستفادة من المياه، ولكن المشكلة في هذا من وجهة نظر سوريا هي: في الجهة المنوط بها تحديد الاستخدام الأمثل للمياه ناهيك عن قيام تركيا بتقليل ضخ المياه عدة مرات الى سوريا، ووصول المياه اليها ملوثة. وتحاول تركيا طمأنة سوريا على أساس أن هناك استحالة مادية في حجز المياه تحت أي ظرف من الناحية التقنية، ذلك لأن المنشآت التركية مضطرة لتصريف ما لا يقل عن 350 متراً مكعباً/ثانية أي ثلث موارد الفرات. ولكن سوريا تجادل بأن ذلك مؤقتا، ولكن عند اكتمال السدود التركية سيتغير هذا الموقف، ومع انجاز قنوات التصريف والتي ستربط بين منطقة السدود وعمق الأناضول لري مئات الآلاف من الأفدنة بواسطة الخزانات المحيطة بالسدود، ستقل بالضرورة المياه التي ستسمح تركيا بمرورها لكل من العراق وسوريا. وقد سبق أن حجزت تركيا مياه الفرات شهرا كاملا عن العراق وسوريا، بدعوى ملء سد أتاتورك، ورفضت الطلب السوري بتقليص الفترة الى أسبوعين مما سبب أضرارا بالغة للزراعة في كل من العراق وسوريا، خاصة مع تكرار تخفيض حصة سوريا من المياه عدة مرات. فإذا وضعنا في الاعتبار التهديدات التي أطلقها الرئيس التركي سليمان ديميريل في عام 1992 عند تدشين سد أتاتورك، والتي قال فيها: (إن سوريا والعراق لا يستطيعان المطالبة بحصة من النهرين التركيين بقدر يزيد على حصة تركيا من بترولهما). وهو ما كرره مسعود يلماظ بعد ذلك معتبرا أن المياه هي (بترول بلاده)، لادركنا حجم التهديد التركي للبلدين العربيين والناتج عن استخدام تركيا للمياه كسلاح ضغط عليهما، خاصة وأن سد (ايلزوغ) على نهر دجلة والذي يقع على مسافة 65كم من الأراضي السورية ويهدد باغراق 52 قرية كردية و12 بلدة وتشريد 20 ألف نسمة، يمكنه أن يحرم سوريا نهائيا من هذه المياه لعدة أشهر. وقد أثارت تركيا في المقابل مشكلة مياه نهر العاصي الذي ينبع من لبنان ويصب في تركيا عبر سوريا، ولا يزيد تصريفه على 459 مليون م مكعب تشكل 1.8% من إجمالي تدفق مياه نهر الفرات. ولن يضير سوريا الاتفاق على توزيع مياهه اذا ما تم ذلك في اطار اتفاق أشمل يتم فيه أيضا توزيع مياه الفرات ودجلة، بل ويشمل تسوية قضايا الحدود كذلك. وتزداد حاجة تركيا الى تطبيع علاقاتها مع سوريا مستقبلا، بالنظر لما تشير اليه التقديرات حول وجود مخزون ضخم من الغاز الطبيعي في سوريا، في ذات الوقت الذي تزداد فيه حاجة تركيا من الغاز بأكثر من الصفقة التي عقدتها مع إيران في أواخر عام 1996، حيث يزداد الطلب التركي الى نحو 25 مليار متر مكعب في عام 2010 في مقابل 10 مليارات متر مكعب في عام 1998، في حين أن الصفقة مع إيران توفر في المتوسط 4 مليارات متر مكعب فقط سنويا. مستقبل العلاقات التركية الإيرانية تتغير العلاقات التركية الإيرانية صعودا وهبوطا ارتباطا بعدة قضايا، أبرزها ما توجهه تركيا من اتهامات لإيران بتصدير عوامل التطرف الديني اليها، ودعم التيارات الدينية السلفية في تركيا ذات التوجه السياسي (حزبي الرفاه والفضيلة) بالاضافة الى تشكيل فرع لحزب الله يعمل داخل تركيا. كذلك دعم حزب العمال الكردستاني والطائفة العلوية المتواجدة في تركيا. في مواجهة ذلك تدعم تركيا المعارضة الإيرانية والمتمثلة في منظمة (مجاهدي خلق) والتي تشن من وقت لآخر هجمات ضد السلطات الإيرانية في داخل إيران. كما توجه إيران اتهامات لتركيا بأنها تسمح للطائرات الإسرائيلية ومحطات التنصت الإسرائيلي المتواجدة بالأراضي التركية بالتجسس على إيران، بل وتشير طهران لوجود اتفاق بين إسرائيل وتركيا يسمح للأولى باستخدام الأجواء التركية من أجل توجيه ضربة جوية ضد المنشآت الصاروخية والنووية والعسكرية والاستراتيجية الأخرى في إيران. وقد تصاعدت حدة التوتر بين البلدين في يوليو 1999 عندما قصفت المقاتلات التركية قرية (بيراتشين) الإيرانية القريبة من الحدود مع تركيا. ثم جرت بعد ذلك مفاوضات أمنية في 28 يوليو 1999 انتهت بتوقيع اتفاق أمني في 13 أغسطس من نفس العام نص على التنسيق في مكافحة أعمال الارهاب. ولم تستطع تركيا اقناع إيران بملاحقة عناصر حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي الإيرانية كما تفعل مع العراق، أو حتى اجراء عمليات تفتيش مشتركة. ولكن تأزمت العلاقات مرة أخرى بين البلدين في نوفمبر 2000 عندما أجبرت طائرتان تركيتان (اف16) طائرة مدنية إيرانية على الهبوط في قاعدة جوية تركية في ديار بكر، وقامت بتفتيشها بحثا عن أسلحة متوجهة الى حزب الله في لبنان ولم تجد شيئا. إلا أن هذا التوتر في العلاقات بين البلدين لم يمنعهما من توقيع ما أطلق عليه (صفقة العصر) بواسطة نجم الدين أربكان رئيس وزراء تركيا في طهران عام 1995، والتي تسمح لإيران بتصدير 90 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الى تركيا خلال 20 عاما مقابل 23 مليار دولار. تبدأ بتصدير 3 مليارات متر مكعب سنويا اعتبارا من عام 1998، تزيد الى 10 مليارات متر مكعب في عام 2005 وحتى نهاية مدة الاتفاق. والغريب أن هذا الاتفاق تم توقيعه رغم مشاركة تركيا للولايات المتحدة في تنفيذ استراتيجية (الاحتواء المزدوج) التي تحاصر كلاً من العراق وإيران، ورغم (قانون داماتو) الذي أصدره الكونجرس كعقاب على إيران. وما كان لأربكان أن يوقع هذه الصفقة لو كانت العلاقات عدائية بين البلدين، والدليل على ذلك أن اتهامات جنرالات تركيا لإيران بدعم التطرف الديني انخفضت بعد ازاحة أربكان، مما يعزز القول بأن هذه الحملة كانت جزءا من الحملة على أربكان نفسه. خلاصة القول ينبغي على تركيا أن تدرك حقيقة مهمة وهي أنه رغم مظاهر القوة التي تتمتع بها إسرائيل حاليا، فإن هذه الدولة الى زوال. وهو ما يتنبأ به حاخامات إسرائيل وقادتها، وآخرهم المفكر اليهودي (يعقوب شاريت) ابن موسى شاريت أول وزير خارجية لإسرائيل، وثاني رئيس وزراء لها في كتابه (دولة إسرائيل زائلة). حيث خلص الى حقيقة مهمة مفادها حتمية زوال إسرائيل، وأنها دولة مرحلية، أيامها معدودة. ويعزو شاريت زوال إسرائيل الى أسباب وعوامل كثيرة منها عدم امكان محو فلسطين من عقول وقلوب سكانها الأصليين الذي يتحينون الفرص لاستعادتها من جديد، الى جانب تراجع عملية التسوية مع العرب بسبب عجرفة القيادات الإسرائيلية، ويتنبأ بأن الحرب مع العرب قادمة لا محالة وستكون في صالحهم، كما يصف البرنامج النووي الإسرائيل بـ(العبثية) لأن الرد العربي سواء كان بأسلحة كيميائية أو بيولوجية فيه نهاية إسرائيل. هذا بالاضافة لسيطرة ما أسماهم (هواة الخراب والتدمير وسفك الدماء) على النخبة الحاكمة في إسرائيل، ناهيك عن الزيادة المتعاظمة في معدل النمو السكاني لدى العرب، خاصة الفلسطينيين، والتي ستجعل إسرائيل في النهاية بمثابة جزيرة صغيرة منعزلة وسط بحر متلاطم من العرب. ويستدعي الكثيرون من الإسرائيليين شبه العاقلين من ذاكرة التاريخ دولة الصليبيين التي قامت في فلسطين في القرن الثاني عشر ودامت 192 سنة، ثم انتهت وعادت الأرض لأصحابها العرب، ورجعت فلول المنهزمين الصليبيين تجرجر أذيال الخيبة والفشل الى بلدانها في أوروبا. فاذا كان هؤلاء الصليبيون قد وجدوا مأوى لهم في بلدانهم بعد عودتهم لها، فمن سيأوي الإسرائيليين عندما تطيح بهم الغضبة العربية العارمة والقادمة لا محالة؟ أغلب الظن أنه سينفذ فيهم سيناريو (الماسادا) عندما انتحر اليهود في قلعتهم بعد حصارها بالرومان في عام 450م. إذن على ماذا تراهن تركيا في شراكتها الاستراتيجية مع إسرائيل؟ لاشك أنها تراهن على حصان خاسر، حتى ولو كان هذا الحصان يلقى دعما ومساندة من أمريكا، خاصة وأن أصواتا في الولايات المتحدة ارتفعت تشكك في جدوى التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وأن إسرائيل أصبحت عبئا على الولايات المتحدة وليست رصيدا استراتيجيا لها، لاسيما بعد أن أظهرت ميولا عدوانية كثيرة تجاه أمريكا، تمثلت في عمليات التجسس الإسرائيلي المتلاحقة على أسرار الأمن القومي الأمريكي، وبيع تكنولوجيا الأسلحة الإسرائيلية ذات الأصل الأمريكي لدول معادية للولايات المتحدة مثل الصين. وبالتالي على تركيا أن تدرك أن مصالحها الحقيقية مع العرب وأن أول خطوة ستخطوها تركيا في ابتعادها عن إسرائيل ستقابل بخطوات كثيرة من جانب العرب ليس فقط على الصعيد الاقتصادي، ولكن أيضا في قضايا أخرى تهم تركيا مثل مشاكلها مع اليونان وقبرص وأرمينيا وروسيا ودول بحر قزوين ستجد مساندة العرب لها في كل هذه القضايا. ? خبير استراتيجي مصري