من مياه المستنقعات وحقول القصب في (فيتنام) خرجت أسطورة (هنري كيسنجر).. أول يهودي يتولى وزارة الخارجية الأمريكية.. فهو الذي أخرج بلاده من الوحل الذي غاصت فيه هناك بعد أن داست سمعتها أقدام الفيتناميين الحافية.. ووقع في (باريس) سلاما بين (واشنطن) و(هانوي).. واستعاد أصابع (البنتاجون) التي قطعت في جنوب شرقي آسيا.. ولفها بالقطن والشاش المعقم. ومن مياه المستنقعات وحقول القصب في (فيتنام) أيضا خرجت أسطورة (كولن باول).. أول أسود يتولى وزارة الخارجية الأمريكية.. فقد جرح هناك مرتين.. وحصل على احدى عشرة ميدالية شرفية.. وترجم مشاعر الاحباط الناتجة عن تلك التجربة المريرة في تقرير شهير ساعد (الكونجرس) على التدخل لانقاذ ما تبقى من الكرامة الأمريكية.. وساعد (البنتاجون) على اعادة بناء الجيش الأمريكي خلال العشرين سنة التالية. لكن.. أسطورة (كولن باول) التي برقت ولمعت وتوهجت في أحراش (هانوي) بدأت في أحياء (نيويورك) السوداء الفقيرة.. (هارلم) و(برونكس).. وهي أحياء لم تكن تنتج سوى عصابات الشوارع.. واللصوص الصغار وتجار المخدرات والقتلة الذين تتغذى عليهم السجون الخطرة.. وهو ما جعله تجسيدا تاما لما يسمى بالحلم الأمريكي.. فقد ولد في حجرة تحت السلم كان يعيش فيها أبواه المهاجران من (جامايكا).. ولم تكن المدرسة التي تعلم فيها أفضل من البيت الذي تربى فيه.. ان حياته الدراسية كانت رديئة.. كان في (الصفوف البليدة) المخصصة للتلاميذ الذين يعانون من صعوبة متابعة الدروس.. وهو ما جعله ينشغل عن معلميه بقراءة روايات (الجيب) و يحل ألغاز (الكلمات المتقاطعة) التي يبدو انها أفادته أكثر مما أفادته الكتب الدراسية.. فقد زادت من مواهبه في القاء النكات وخفة الظل والقدرة على ادارة الحوار ببراعة.. وساعده في ذلك نظرته الرومانسية الحالمة.. وابتسامته الخفيفة الواثقة التي يصفها الأمريكيون بأنها ساحرة. ان هذه المقومات هي التي تدفع صاحبها لتولي المناصب العليا في الولايات المتحدة أكثر من أى شيء آخر.. وإن كان (كولن باول) ينكر ذلك.. وقد قال بنعرة لا تخلو من التحدي ساعة أن عين رئيسا للأركان: (لقد تدرجت في الجيش دون أن ألعب البريدج أو الجولف أو التنس مع قادتي.. ودون أن أصاحب زوجاتهم أو بناتهم).. وقد وصفته مجلة (نيوزويك) بأنه كان أقوى رئيس أركان على الاطلاق بفضل قانون صدر في عام 1986 يخول لرئيس الأركان وحده اسداء المشورة العسكرية الى البيت الأبيض. وقد استغل هذا القانون وتمسك به.. وفيما بعد كتب يقول: (عندما كنت في فيتنام راعني خنوع هيئة الاركان).. لكن ذلك لم يتكرر عندما أصبح هو على رأس هذه الهيئة.. وقد كانت أشهر نصائحه في تلك الأيام (ضرب ليبيا) بالطائرات في محاولة متهورة لاسقاط نظام العقيد (القذافي) بعد أن فشلت المخابرات المركزية في ذلك من خلال عمليتها التي عرفت باسم (الزهرة). وعلى عكس (كيسنجر) الذي مد جسور التفاهم الأولى بين (واشنطن) و(بكين) من جهة وبين (واشنطن) و(موسكو) من جهة أخرى، كان (باول) متشددا ناحية المعسكر الشرقي الشيوعي الذي لم يكن قد سقط بعد عندما اختاره الرئيس الأمريكي الأسبق (رونالد ريجان) مستشارا له للأمن القومي في عام 1978 وهو المنصب الذي يعد في غالبية الأحوال الحضانة التي يتكون فيها وزراء الخارجية الأمريكية. ولم يكن من السهل أن يأخذ (باول) نصيبه من الضوء والشهرة في ظل (نجم) سينمائي جاء من (هوليوود) الى (البيت الأبيض).. أو جاء من (الاستديو الصغير) الى (الاستديو الكبير) على حد قول (ريجان) نفسه.. لقد وافق (باول) على أن ينفذ (ريجان) برنامجا عسكريا من بنات أفكاره.. وهو برنامج (حرب النجوم).. لكن (باول) المصاب بسبب لونه وفقره بعقدة الاضطهاد لم يقبل فيما بعد بأن يترك غيره يجني ثمار عمله.. ورفض أن يواصل الحياة في الظل.. مهما كان الثمن.. أو حتى لو كان الثمن ترك منصبه. وهكذا.. وجد (باول) في حرب (الخليج) الثانية فرصته كاملة ليعوض كل ما فاته.. ان قوته تتمثل في موهبته الفائقة على جمع المعلومات العسكرية الدقيقة والسيطرة عليها.. وبناء على هذه المعلومات يسارع باتخاذ القرار ولا يتأخر في اصداره.. خاصة وانه بسبب العقدة المزمنة في فيتنام لا يميل الى بقاء القوات الأمريكية كثيرا خارج ثكناتها.. بل ولا يميل الى تورطها في حرب أرضية يمكن أن تسبب خسائر بشرية.. وهو ما جعله يرسل قواته بحساب الى منطقة الأزمة في (الخليج).. وهو ما جعله أيضا يستخدم تكنولوجيا متطورة أشبه بألعاب الحرب على شرائط الفيديو في توجيه الضربات عن بعد للقوات العراقية.. وهو ما جعله كذلك يفضل أن تتولى القوات العربية المشتركة في التحالف تنفيذ الخطوة الأخيرة في تحرير (الكويت) بواسطة اعداد هائلة من جنود المشاة.. وضعت الدم العربي في مواجهة الدم العربي.. على طريقة فيلم (العاصفة).. حيث وجد شاب مصري نفسه على الجبهة الكويتية يقاتل شقيقه على الجبهة العراقية. وقد كان (باول) من انصار الانسحاب الأمريكي من (الخليج) فور تحرير (الكويت) وحصار (العراق).. لكن (فواتير) الحرب التي انعشت الاقتصاد الأمريكي بما لم يكن في الحسبان جعلت حسابات (باول) ونظرياته العسكرية خارج اللعبة.. ان للسياسة حسابات أخرى لم يكن (باول) يدركها في تلك الأيام.. ولا نعرف هل لا يزال يجهلها حتى الآن بعد أن أصبح مسئولا عنها أم انه تعلم الدرس واستوعبه؟.. لقد كانت الحسابات السياسية التي لم يدركها الجنرال (باول) أكبر من خبراته العسكرية. كانت هناك ضغوط (لوبي) البترول في (دالاس) الذي كان الرئيس الأمريكي في ذلك الوقت (جورج هربرت ووكر بوش) يمثله ويعبر عن مصالحه.. وليس هناك بقعة على ظهر الأرض تكثف مصالح هذا اللوبي أكثر من (الخليج).. وعندما تولى (بوش) الكبير السلطة وجد بلاده على أعتاب أزمة بترولية عاتية.. وفي الوقت نفسه كان الكساد يسيطر على كل شيء.. وكان العجز في الموازنة يصل الى 250 مليار دولار.. والدين القومي الداخلي يزيد على ثلاثة (تريليونات) دولار أي 3000 مليار.. وقد تكبدت الدول الخليجية ما يزيد على 600 مليار دولار تكاليف الحرب واعادة الاعمار وثمن بقاء القوات الأمريكية على ارضها.. إن هذه التجربة المثيرة هي التي اضافت في حسابات السياسة الى حسابات العسكرية عند (باول).. ولولا هذه التجربة التي عاشها بكل تفاصيلها لما كان الآن وزيرا للخارجية.. كان سيصبح مجرد جنرال متقاعد.. يلعب (الجولف) و(البوكر).. وربما يطارد الفتيات الصغيرات كما يفعل غالبية العسكريين الذين في مثل عمره. وقد أبدى (باول) دهشته الواضحة من بكاء بعض العرب على رحيل (جورج بوش) الأب من (البيت الأبيض) ومشاعر اليتم التي سيطرت عليهم.. وكأن ظهرهم قد انكسر.. أو كأنهم لن يجدوا من يدخل عليهم برغيف خبز أو علبة سجائر أو كيس (بوب كورن).. لقد تعلم (باول) درسا سياسيا آخر من رد فعل العرب ضد سقوط (بوش) الكبير.. تعلم أن العواطف يمكن أن تؤثر في المصالح.. وليس صحيحا في أحيان كثيرة أن كل شيء يحسب بالورقة والقلم.. وفي برنامج (لاري كينج) لم يخف (باول) استغرابه من تعامل العرب مع (بوش) الكبير. وقد قرر (باول) بعد هذا الدرس أن يقرأ ملخصا لكتاب (ألف ليلة وليلة) حتى يعرف كيف يفكر العرب الذين عاد للتعامل معهم الآن. ولم يكن (باول) يتمنى حقا أن يبدأ عمله في الخارجية الأمريكية بتلك الزيارة الاضطرارية التي قام بها منذ أسابيع الى الشرق الأوسط.. فهذه المنطقة بما فيها من اضطرابات مزمنة فشل كل من سبقوه على مدى نصف قرن في حلها، ليست مكانا مثاليا يبدأ به وزير خارجية أمريكي جديد أولى جولاته الدبلوماسية.. كما أن سبب هذه الجولة الظاهر وهو مرور 10 سنوات على حرب الخليج الثانية التي أدارها وهو في قيادة الأركان (له وقع أجوف بعض الشيء) على حد تعبير (نيوزويك).. فالرئيس صدام حسين لم تسقطه الحرب وزادت شعبيته في العالم العربي.. والحصار المفروض على العراق أخذ ينهار.. والعقوبات المفروضة عليه لم تعد مقبولة من أكثر أعضاء (التحالف الدولي) صلابة: الولايات المتحدة وبريطانيا.. وهو ما يعني في النهاية أن الانتصار الأمريكي الذي تحقق (لم يكن نهائيا).. و(تبدو نتيجة الحرب أكثر تشويشا من أي وقت مضى).. بل إن الرئيس الأمريكي الجديد (جورج بوش) الابن وصف العقوبات الدولية ضد العراق بانها قد اصبحت مثل (الجبنة السويسرية) تمتلئ بكثير من الثقوب.. وهو ما جعل (باول) يعرض على العرب في أولى جولاته امساك العصا من منتصفها.. أي عقوبات محدودة ضد العراق (تستهدف قدرته على صنع أسلحة جديدة) مقابل ضبط عمليات تهريب النفط والبضائع عبر الحدود معه. وليست العراق المعضلة الوحيدة التي تقابل (باول) في الشرق الأوسط.. ان هناك (الكارثة الكبرى).. مشكلة السلام (المستحيلة) في المنطقة.. ان (باول ليس مفكرا استراتيجيا) على حد وصف (نيوزويك).. وهو ما يعني انه لن يقدر على الخروج من (المستنقع) بأفكار جديدة مبتكرة.. خاصة وأن هذه (الكارثة) استوعبت في نصف قرن كل ما يمكن تخيله ومالا يمكن تخيله من افكار انتهت كلها بالفشل والغرق في قاع (البحر الميت).. ولو أضيف الى هذه (الكارثة) كوارث أخرى يعاني منها العالم الذي تسيطر عليه بلاده مثل شبكات الارهاب الدولية والانهيارات الاقتصادية والبيئية وعصابات المخدرات القوية فإن ما بناه (باول) في سنوات طويلة كضابط محترف مهدد بالتبخر في شهور قليلة كدبلوماسي تحت التمرين. إن الحرب على (امراء المخدرات) في كولومبيا وغيرها من دول أمريكا الجنوبية تحتاج الى مواجهة عسكرية أكبر من طاقة أجهزة الأمن الأمريكية.. ولن تتكلف هذه المواجهة أقل من ملياري دولار.. وتحتاج، وهذا هو الأهم قرارا بالتدخل العسكري.. وهنا ستبرز عقدة (باول) الذي يرفض بسبب ماجرى في فيتنام دخول (البنتاجون) في النزاعات الخارجية كلما أمكن ذلك. وهو ما يعرف بمبدأ (باول) الذي يقوم على مقولة: (انه لا ينبغي على الولايات المتحدة أن تدفع بقوات للقتال خارج حدودها ما لم تكن المهمة واضحة والمصالح الحيوية في خطر والرأي العام موافقا والمخارج واضحة المعالم والنصر مؤكدا).. وهي شروط يستحيل توافرها معا. بل ربما لا يعرف كثيرون أن (باول) كان معارضا للتدخل العسكري لانقاذ الكويت.. ولم يتردد في اقتراح أن تكون خطته العسكرية هي تأمين الحدود السعودية والاكتفاء بالدفاع عنها.. وهو ما أثار غضب وزير الدفاع في ذلك الوقت (ديك تشيني) الذي انفجر فيه قائلا: (كولن انك تتكلم في السياسة وهذه ليست وظيفتك.. أريدك أن تعطيني مشورة عسكرية.. توقف عن الحديث في السياسة).. ورغم ذلك لم تتوقف مقاومة (باول).. وهو ما جعل (تشيني) المحبط يتجنبه ويشكل (خلية سرية) من الجنرالات المتقاعدين هم الذين وضعوا خطة الهجوم وأبلغ بها (البيت الأبيض) شفاهة في غياب رئيس الأركان.. وعندما شنت الولايات المتحدة هجومها في 17 يناير 1991 كان باول هو الذي ظهر على شاشات التلفزيون ليعلن عن استراتيجية القوات المسلحة لضرب العراق غير أن سجلات الحرب المتوافرة الآن توحي بأن باول أكثر من أي شيء آخر منع القوات الأمريكية بهدوء من توجيه الضربة القاضية ضد قوات الحرس الجمهوري التي تمثل صفوة قوات الرئيس العراقي. وعارض (باول) تورط القوات الأمريكية في (البوسنة) بل عارض فكرة اسقاط المواد الغذائية من الجو خشية أن تفشل العملية وتجد القوات الأمريكية نفسها على أرض القتال.. وهو ما جعل (مادلين أولبريت) التي كانت المندوب الأمريكي في الأمم المتحدة تقول له في مواجهة شهيرة: (مافائدة القوات الرائعة التي تتحدث عنها دائما اذا لم يكن باستطاعتنا استخدامها).. ورد عليها (باول) قائلا: (إن العسكريين ليسوا جنودا من الدمى يحركون على نوع من لوحات الألعاب العالمية). ولم يتردد (باول) في سحب القوات الأمريكية من (الصومال) فور ظهور جثة جندي أمريكي ملطخة بالدماء وهي متباعد في شوارع (مقديشو). انها عقدة (فيتنام) التي لن يشفى منها جيله.. وربما كانت هذه العقدة هي أفضل ما يتمتع به الآن وقد أصبح وزيرا للخارجية.. فهي ستحد من التسرع الأمريكي في التدخل العسكري كلما ظهرت مشكلة على خريطة الدنيا.. وهي ستجبره على أن يفتش عن حلول دبلوماسية مبتكرة بعيدا عن مشاعر الغطرسة وسياسة (الكابوي) الأمريكية الشهيرة.. وهي ستفرض عليه السفر الى المناطق الملتهبة ليعرف على الطبيعة ما لم يعرفه من الكتب والتقارير التي لم يقرأها والنظريات السياسية التي لم يتعلمها. لكن.. رغم ذلك كله فإن تصور نجاحه في منصبه يبدو بعيدا حتى بالنسبة لأكثر المتفائلين به.. فهو يعشق المؤسسة العسكرية وليس من السهل عليه أن يتخلص من (بدلة) الجنرال.. فهي التي صنعت أسطورته وجعلته (أيقونة أمريكية ساحرة). ? كاتب وصحفي مصري