حضرتُ عرضاً مسرحياً واحداً خلال ايام الشارقة المسرحية التي انتهت يوم الثلاثاء الماضي، وكان العرض مستضافاً بعدما حقق نجاحا لافتاً، في مهرجانات مسرحية متميزة كقرطاج والقاهرة، العرض حمل اسم «الجنة تفتح ابوابها متأخرة» وهو واحد من اعمال مميزة للمسرح العراقي كونه يحكي عن الحرب والحصار والأسر عبر رجل يعود بعد عشرين سنة من الحرب والاسر الى بيته حيث ترفض زوجته التعرف اليه وسط اسقاطات على واقع مؤلم يعيشه العراق الآن. قاعة العرض كانت صغيرة والجمهور كان كثيراً لذلك كان من الطبيعي ان تقع بعض الأخطاء التي لم تفقد المسرحية اهميتها، الا ان ما يحز في النفس هو ذلك السلوك الغريب في تلقي المسرحية ومتابعتها، فقد جلست الى جانب رجل اهتم طوال العرض بخبط كفيه الغليظتين ببعضهما محدثاً دوياً تصفيقياً هائلاً سرعان ما يجد صداه في الصفوف الأخرى وتتحول معه القاعة الى حفلة عرس. فقد كان نص المسرحية مليئاً بالكلام العذب الجارح الذي يلامس وتر الاحاسيس كأن تقول الممثلة «ان الحرب أكلتْ نصف السرير» وهنا كانت كفا جاري في المقعد تخبطان ببعضهما وتضج القاعة بالتصفيق، واذا لم يصفق جاري فان شخصاً ثانياً يقول بعد سماعه لاحدى الجمل المؤثرة «ويلي.. ويلي، فديتك .. فديتك» بينما لا يتوانى شخص ثالث عن النحنحة أو السعال بحشرجة قاطعاً على الحاضرين استمرارية التواصل مع العمل فيضيع جزء كبير من الكلام ومعه تضيع خيوط الأحداث. هؤلاء رغم سلوكياتهم المرفوضة خلال العرض أرأف حالاً بالمتفرج من ذلك الذي كان يتناول شيبساً أو فستقاً محمصاً مصدراً صوت قرقشة غاسلاً اضراسه بشراب بارد أو شافطاً عصيره حتى آخر نقطة من زجاجة ملونة ثم يدفعها تحت كرسيه ولاتتوانى قدمه الضخمة من لكز الزجاجة بين حين وآخر كلما نهض قاصداً الحمام تلبية لنداء الطبيعة بعدما استهلك لتراً أو أكثر من الشراب المنعش الذي يساعده على هضم مأساة المسرحية! الفريق الرابع الذي كان حاضراً العرض يمكن تصنيفه في خانة المطيّبين، والمطيّب في عُرف أهل الفن هو ذلك الشخص الذي يجلس في صفوف متقدمة من الصالة ويردد بين حين وآخر كلمات تشجيعية بعدما يطلق المغني آهة أو يقفل موالاً، ويقول: طيب والله طيب، أو يقول: ياسلام على النغم، كمان وكمان يا أمير. أو يقول ياعيني ع الكلام العسل. وهذا المطيب «قديماً كان يتقاضى راتباً من المغني وكأنه احد اعضاء الفرقة، وإذا انقرض هذا الموظف في أيامنا هذه فلأن الجمهور برمته بات يقوم بهذه المهنة. بل اصبح أكرم منه بحيث يمكنه ان يتبرع براقصة تهز لحمها على مرآى من المطرب والحاضرين. المطيبون الذين حضروا العرض زادوا المسرحية عمقاً تراجيدياً عبر آهاتهم المجروحة وتنهداتهم الصادرة من قلوب مكلومة، وشكلوا جوقة سماعية حولوا معها المسرحية إلى فصل من العذاب المسموع والمرئي وكأنهم بذلك ينتقمون من قسوة الحياة في العراق المحاصر. ولأنني انتمي الى الفريق الخامس الذي لاحول له ولا قوة فقد بقيت طوال العرض اراقب كفي جاري الغليظتين وأنا ابتسم له لأنني لم أكن استطيع ان افعل شيئاً سوى الابتسام لشدة غيظي، في حين انه فسر ابتسامي هذا تشجيعاً له فكان يزيد حدة خبطة كفيه وطيساً فيهتز مقعدي وتردد الصالة صدى تصفيقه بقوة أكبر. وهكذا حدث تلك الليلة، ولايعني ذلك بحال من الاحوال أنني أنعي عرضاً مسرحياً بل أنعي جمهوراً ضلّت به سبل السعادة فهو يصفق عندما يبكي ويصفق عندما يضحك، ورحم الله ابو خليل القباني فقد قذفه أجدادنا بالبيض الفاسد، والطماطم، ولم يصفق له أحد، ربما لأنه لم يوظف فريقاً من المطيبين في فرقته، فمات، رحمه الله! E.Mail:h-s-d@maktoob.com