قبل أن تولد قنوات إعلام الشعر الشعبي بهذه الكثافة التي نراها اليوم، من برامج إذاعية وتلفزيونية وصفحات أسبوعية ومجلات متخصصة، كان جديد الشعراء يصل إلى الناس من خلال «الكاسيت». هذه الأشرطة لعبت دورا إعلاميا كبيرا وقتها، فهي صرعة تكنولوجية في المنطقة امتازت برخص سعرها، وساعدها أن عمليات النسخ والتوزيع كانت متاحة حتى في القرى الصغيرة النائية. شهرت هذه الأشرطة أصحابها داخل الوطن وذهبت إلى الخارج، فكانت في كل أنحاء الخليج، وفي أصقاع الأرض المختلفة مع الراحلين في أسفارهم الطويلة بحثا عن العلم أو في مهمات عمل، تؤنس غربتهم. « بو الروغة» هو أشهر صوت غنائي ارتفع وتردد صداه آنذاك، فكان النجم الأول الذي تطلبه الجماهير وترقب جديده بشغف، وميزة هذا الفنان انه كان يذكر حقوق المجموعة التي تساهم معه في العمل الفني الذي يقدمه، ويكون اسم محل التسجيلات وصاحب الكلمات هو أول ما ينطق به علي بوالروغة في مطلع الأغنية. اسم «فتاة الخليج» كان من بين أسماء الشعراء الذين ارتبطوا بهذا الفنان، ولازموه في رحلته، هذه واحدة من القصائد التي نظمتها الشاعرة، وغناها المطرب، وشاعت بين الناس : تختلي بالشّوق سرّايه يوم خالين الملا ارقودي ماتلذ ابعيني اغفايه ليل همّ أوسم وصدودي ياقمر شوّال في الغايه انت عيدي لي بك اسعودي إنت يللي نافل الهايه في الأرام أوجملة الخودي إنت يالحصّ لمنقّايه من عمام أوخال وجدودي دونك العالم امو طّايه وانت في المريخ معدودي قصائد عديدة قدمتها «فتاة الخليج»، جعلتها اشهر شاعرة غنى لها هذا الفنان الكبير. صوت بوالروغة أوصلها إلى جمهور الشعر في البوادي والحضر، لكن النص الشعري الذي ترسمه هو الذي منحها التفرد، وجعل لها مكانة مميزة عند من يسمعها. تختار كلماتها من وحي البيئة، إنها متأثرة بهذه المفردات، هكذا تجد أوصافها الشعرية تحمل رائحة المكان، إيحاء من الزمن القديم : مثل الذي عقب الهمل حوّشو نوقه ترقى الطّعوس ودونها ضرب تفّاقه هذا العمق والالتصاق بالبيئة ومفرداتها من تشبيه وكلمات وأمثلة، أعطى شعرها خصوصية، هذه مثلا صورة غزلية جاءت عبارة عن لوحة فنية تجسد حالة المكان، في موضعين متناقضين : يامراتع قفر م العامي كنّ فيكِ الفيج ماحلّي وامرحت بك ذيك لاريامي في زهور النبّت لمفلّي صورة غزلية أخرى، تصل إلى أعماق راعي البحر، ويرددها البدوي أيضا، فمفرداتها من البيئتين : مويةٍ م اللجّ مزرقّه طبّعتني والهوى شامي آه يامن عاين الدقّه في الخلا واركابه احيامي كنّها في النّجر مندقّه قوّة الصحه من اعظامي صورة أخرى، يفهمها البحّار جيدا : مركبي مرساي في لجّ غميج بايعلّي كيف : يوم الولم دوق لوحات شعرية عديدة تحدثت فيها، عن الصيد، ووجه الشبه بين المحب والقنّاص، ومنظر الريم عند كليهما : من اليوازي رعت في قفر بينونه إلى منابيت خصب اسفوح وايبالي تاخذ حذرها ولو في القفر مامونه لا تنوخذ غرّةٍ من كفّ ختّالي كذلك في قولها : طير الخلا مايقضي الكار ياغير طيرك لي تربيه لان الهوى له جند وانصار الحق تاخذ به اوتعطيه عالم الغزل الذي تألقت فيه «فتاة الخليج »، ملكت أن تقدم له صوراً شعرية فريدة، لتظل كلماتها في هذا العالم روائع تحمل الحب في أقسى واجمل آهاته، بين الوله والصد وامنية القرب من قلب المحبوب. حكايات تتكرر لحالة العاشق، تجسدها الشاعرة في مثل هذا البيت : أبات وكن في يوفي هشيمٍ يشتعل ضيّان لا الونّه تبرّدها ولا الآهات تطفيها في موقع اخر، تصف ليل المحب : أحاول نوم عيني بالغصايب وليل الشّوق للخالين طايب عسى طيفٍ يوافي عن حبيبي ولو حلم الكرى يصبح كذايب أساله كيف حاله في محاله وكيف الود عنده والرّغايب صبرنا والصبر مرّ مذاقه وجاسينا من الهير المصايب وحنّينا ولكن مانفعنا وجافتنا الاخلاّ والقرايب بعد أن توقف الفنان بوالروغة، صمت عدد من اشهر الشعراء الذين ساهموا معه في إثراء الساحة الأدبية وإبراز هذا الفن وانتشاره، مثل المرحوم الشاعر سالم الجمري، والمرحوم ثاني بن عبود، والشعراء حمد ومحمد بن سوقات، وخليفة بن مترف، وفتاة الخليج. إنقطاعهم كان يحمل معاني من الوفاء والحب لشخصية ارتبطوا بها، وعنى توقفهم كذلك نهاية مرحلة مهمة من مراحل الأدب الشعبي والإبداع والتكامل الفني في الإمارات. استمرت مدرسة بوالروغة بعد ذلك فترة من الزمن ، أحياها الفنان ميحد حمد، فعاد مجموعة من الشعراء، من هؤلاء كانت «فتاة الخليج »، التي غنى لها الفنان ميحد عدداً من القصائد، ولكنها هذه المرة حملت اسم «فتاة العرب» وهو اللقب الثاني والثابت الذي حملته الشاعرة. نكمل الاسبوع المقبل.