«المسئول عن هذا كله رجل واحد يدعى عرفات»: هذا هو القول المأثور الذي يردده رئيس الحكومة الاسرائيلية آرييل شارون كلما أصيب اسرائيلي، برصاص فلسطيني او وقع عدد من الاسرائيليين قتلى وجرحى إثر انفجار سيارة مفخخة. فالرئيس عرفات في نظر شارون هو الذي يتحكم بصورة كاملة في مسار الانتفاضة الشعبية الفلسطينية: ان شاء صعّدها وان شاء أطفأها بكلمة واحدة تصدر عنه. لكن لوزير الخارجية شيمون بيريز، وهو مثل شارون، سياسي مخضرم، رأيا مختلفا. ومن أحدث تصريحات بيريز التي تعكس رؤيته للزعامة العرفاتية تعليق على خطاب الرئيس الفلسطيني امام قمة عمان العربية حيث وصف محتوى الخطاب بأنه «كلام شاعري». ثم اردف قائلا «ان عرفات هو أفضل شريك سلام فلسطيني». فلماذا هذا التناقض بين زعيمين اسرائيليين يمثلان حكومة واحدة ذات سياسة واحدة تجاه الوضع الفلسطيني.. او هكذا من المفترض ان يكون الأمر؟ لكننا نستدرك السؤال بسؤال: هل هناك تناقض حقا؟ هل الرئيس عرفات هو في آن معا «صقوري» من وجهة نظر شارون و«حمائمي» في رأي بيريز؟ الحقيقة فضحتها زيارة شارون الرسمية الى الولايات المتحدة التي اختتمت الاسبوع الماضي. ففي جلسة رسمية بين الجانبين الاسرائيلي والامريكي بمشاركة شارون والرئيس جورج بوش كان حديث رئيس الحكومة الاسرائيلية الى الرئيس الامريكي بشأن عرفات هو نقيض لكل التصريحات الشارونية حتى ذلك الحين. فقد قال، وفق المحاضر الرسمية، ان ياسر عرفات يظل شريك السلام الافضل لاسرائيل. ماذا يعني هذا؟ يعني ببساطة ان لارييل شارون خطابين: خطاب لاغراض الدعاية الاعلامية.. وخطاب للتعامل الدبلوماسي.. والثاني هو الاسلوب المعتمد في الخفاء للتعامل الاسرائيلي الرسمي تجاه الزعيم عرفات. عندما يخاطب شارون الصحفيين مشددا على ان عرفات هو وحده الذي يملك مفتاح الانتفاضة، وبالتالي يحمله مسئوليات كل حادثة فلسطينية تقلقل الامن الاسرائيلي او تهدده، فان شارون يدرك ان السلطة الفلسطينية ليست في وضع يمكنها من وقف الانتفاضة اذا ارادت، ويعلم ان السلطة تخاطر ببقائها اذا حاولت ذلك. لكن خطاب شارون على هذا النحو موجه في الحقيقة الى الرأي العام الاسرائيلي وكأنه يبرر عجز القوات الاسرائيلية عن قمع الانتفاضة بصورة نهائية وحاسمة.. فيلقي باللائمة في هذا العجز على «عدم تعاون» عرفات مع السلطات الاسرائيلية. ان اخر ما تريده اسرائيل، سواء في عهد شارون او غيره، هو غياب الرئيس عرفات، لسبب او اخر، عن الساحة الفلسطينية او انهيار السلطة الوطنية الفلسطينية، لان البديل سيكون قيادات الانتفاضة الشابة التي كفرت بمبدأ التفاوض فلا تعتمد الا الكفاح المسلح كأسلوب اوحد للتعامل مع اسرائيل. وهذا هو مغزى قول بيريز في تعليقه على خطاب عرفات في قمة عمان حيث قال: «أنا افضل عرفات على اي خليفة له». «التناقض» بين شارون وبيريز تجاه زعامة عرفات ربما يكون اذن من قبيل توزيع الادوار بين القيادات الاسرائيلية على اساس ان يلوح رئيس الحكومة الى الفلسطينيين بعصا بينما يلوح لهم وزير الخارجية على صعيد اخر بجزرة. وإلا اذا كان الرئيس عرفات هو كما يصفه شارون في العلن بأنه وراء كل حادثة تصعيدية للانتفاضة لما تأخر ذلك الجنرال الدموي عن إصدار أمر الى قيادته العسكرية باستهداف أبوعمار شخصيا.