جراح الظلم تظل ساكنة لفترة طويلة أو قصيرة، إلا أنها في النهاية تنفجر، لأن الزمن يصنع تحت تلك الجراح دمامل تظل كامنة، تنمو وتنمو حتى تثقب الجلد، سواء بفعل خارجي أو بفعل تراكمات الدمل نفسه، لكنها حين ينفجر إما إن يؤدي إلى الشفاء بخروج كل التراكمات الجرثومية التي صنعت الدمل لو احسن تنظيفه وعلاجه بشكل صحيح، وقد يؤدي إلى الهلاك لو أُهمل الدمل كما أُهمل الجرح القديم. وحركة الجيش الثاباتي في تشياباس في المكسيك لم تكن سوى دمل لجراح الهنود الحمر القديمة، سكان البلاد الأصليين الذين حرمهم الاستعمار الإسباني من حقوقهم كمواطنين حقيقيين كان يمكنهم أن يتمتعوا بحقوق المواطنة حتى لو كان في ظل استعمار طويل أو قصير الأجل. وحرمهم من تاريخهم بتدمير حضارتهم التي كانت قائمة عند وصول حملة «هرنان كورتيس»، الذي ورث الاكتشاف عن كولومبس الذي مات دون أن يدري انه اكتشف أرضا جديدة، لكنه في الحقيقة باكتشافه هذا فتح بوابة جهنم على من استقبلوه بالحب والترحاب، فقد قام الجنود الاسبان بصهر ذلك التاريخ المكتوب على صفائح الذهب والفضة ليقدموه علامة على فروض الطاعة والولاء للملوك الجالسين على عرش شبه الجزيرة الايبيرية، الذين استخدموه في حروب دامية صنعت الخراب في أوروبا بدلا من أن تصنع الرخاء والرفاهية، وكأن ثروات هنود الاثتيك والمايا وغيرها من حضارات تلك القارة كانت مرصودة بالشر على من يعتدي عليها. ثم حرمهم الغازي الأوروبي الأبيض من لغة التخاطب بينهم على أيدي رهبان كاثوليك متعصبين أعماهم التعصب عن كل ما ليس بكاثوليكي، وكرروا تجربة محو بقايا المسلمين في شبه الجزيرة الايبيرية بعد سقوط دولة الأندلس، بينما كان متعصبون يحاولون اجتثاث الإسلام واليهودية بالحديد والنار في الأندلس العربي القديم، كان هناك من يمحو بالحديد والدم والنار أيضا ديانات وثقافات ولغات تلك الشعوب، التي شاء حظها العاثر أن ترحب بكولومبس بسلام أغرى اتباعه ومن ساروا على دربه بهم. واستمر ذلك القهر لأكثر من خمسة قرون متتالية، وأحفاد الاستعمار الأسباني في جنوب أمريكا اللاتينية يمارسون عادات أجدادهم الدموية ولا يتركون للشعوب الأصلية ولو فتات موائد السلطة. كل هذا كان جرحا نائما تحت سطح جلد تلك البلاد، لكنه لم يكن جرحا ساكنا، بل كانت هناك تراكمات القهر التي صنعت تحت هذا السطح دمامل انتشرت هنا وهناك، خاصة في ظل قهر حفيد الرجل الأبيض، الذي تناقل السلطة بالانقلابات العسكرية والدكتاتوريات المدعومة بالاستعمار الحديث، ليصل الدمل إلى مرحلة الانفجار عندما كانت كل الدلائل تشير إلى أن كل شيء دان وانتهى لسيطرة الرجل الأبيض وأحفاده في تلك القارة التعسة. جاء الانفجار على شكل حركة التحرير الثاباتية التي اتخذت من اسم الثائر الهندي الأحمر «اميليانو ثاباتا» شعارا لها، لكن المجتمعات التي عاشت على أمل أن يدفن الوقت الجراح، وينسي المظلومون عناء الظلم وقسوته راهنوا على ما راهن عليه أجدادهم ولم يتعلموا الدرس أو يعوه.فكان زحف «الهنود الحمر» على العاصمة المكسيكية قبل أسبوعين، هؤلاء الرجال القصار ذوي البشرة النحاسية الذين لوحت وجوههم برودة جليد الجبال الوعرة، إشارة جديدة على أن الانفجار هذه المرة لن يسكن بمجرد استخدام المسكنات التي اعتاد عليها أحفاد الاستعمار الأبيض في الإبقاء على الدمل ساكنا. حركة الجيش الثاباتي في المكسيك صار لها تأثير كرجع الصدى في العديد من دول أمريكا اللاتينية، التي كانت تعتقد كالمكسيك أنها تخلصت من صداع الهنود الحمر من السكان الأصليين بوضعهم في محميا تهم الجبلية الوعرة بعيدا عن المدن والتجمعات الحضرية، بل تستخدمهم بعض تلك البلاد كجاذب للسياحة التي بدأت تنتشر في العديد من تلك الدول. رجع الصدى هذا بدأ العام الماضي من خلال ثورة هنود الإكوادور، الذين استطاعوا إسقاط حكومة الرئيس جميل معوض اللبناني الأصل، وعندما استخدم أحفاد الرجل الأبيض في الإكوادور المسكنات مع تلك الثورة بتوقيع معاهدات كان يعرف موقعوها أنها لن تدخل مرحلة التنفيذ أبدا، إلا أن تأثير الحركة الثاباتية كان أقوى من توقعات من اعتاد على علاج الدمامل بالمسكنات، فعاد الانفجار من جديد بعد عام واحد. الأمر نفسه يتكرر في البيرو، تحت تأثير نجاح الحركة الثاباتية في المكسيك لجأ أحد ضباط جيش البيرو إلى الجبال وتحصن بقبائل الهنود الحمر في مواجهة حكومة فوجيموري في أيامها الأخيرة، بعد أن تكشف الفساد الذي كان يمارسه الرئيس ورجال مخابراته، وكان تحصن الجنود والضباط بالهنود أحد العوامل التي عجلت بهروب فوجيموري، الذي ضاقت الحلقة من حوله بعد أن بدأ يتردد صدى ثورة هندية قادمة للثأر من قرون العذاب التي عاشتها، ولاستعادة حقوقها التي فقدتها قبل خمسة قرون. حتى البلاد التي كانت تعتقد أنها انتهت من مشكلة الأقليات العرقية، التي تعيش فيها من بقايا سكان البلاد الأصليين، اصبح يساورها القلق حول ما يمكن أن يتردد من صدى الحركة الثاباتية في المكسيك، وبدأ بعض المفكرين يطرحون القضية من جديد، ويطالبون بعلاج حقيقي بعيدا عن المسكنات التي اعتاد استخدامها الحكام من أحفاد الرجل الأبيض طوال القرون الماضية. فنجد مفكرا مثل التشيلي «خوخي ادواردز» الحائز على جائزة ثرفانتيس قبل ثلاثة أعوام يطرح قضية بقايا الهنود الحمر في بلاده، لا كمشكلة سياسية تعني تقديم بعض الحقوق المدنية لهؤلاء، ولكن من منظور شامل يطالب بمنح هؤلاء حقوقهم المدنية كاملة، بما فيها حق المواطنة كمواطنين من الدرجة الأولى. مشكلة أحفاد الهنود الحمر في التشيلي لم تكن مطروحة أبدا على بساط البحث السياسي، ولم يكن هناك مفكر أو سياسي يذكرها بشيء، على اعتبار أن وجود هؤلاء على هامش المجتمع الزراعي في القرى الجبلية البعيدة كان كافيا بتهميش حقوقهم أيضا، دون نظر إلى واقعهم المزري الذي يعيشونه في تجمعات شبه رعوية تعيش كما كان يعيش أجدادهم قبل خمسة قرون، ولا يعرفون من التقدم الحضري سوى الطائرات التي تعبر أجواءهم، فيتطلعون إليها كما لو كانت شياطين طائرة تهددهم وتهدد ماشيتهم، أو يقفون مشدوهين أمام السائحين الغرباء الذين يلتقطون لهم صورا وأفلاما كما لو كانوا محمية لحيوانات برية عجيبة. الحركة الثاباتية في تشاباس وزحفها على العاصمة المكسيكية للتدليل على أنها حركة مسالمة لا تريد قتال أحد ولا تريد إراقة دماء أحد، حققت حتى الآن نجاحا إعلاميا منقطع النظير، ولكن ما تصبو إليه من الحصول على حقوق المواطنة المسلوبة من الهنود سكان البلاد الأصليين يبدو انه لا يزال في عالم المثاليات، لأن هناك من السياسيين من لا يزال يعيش في الماضي، ويخشى أن يفقد ما اكتسبه عن أجداده من ثروة ورفاهية، بغض النظر عن كيفية وصول تلك الثروة إليه أو إلى أجداده الذين أورثوه إياها بلا مقابل حقيقي. وهناك من يراهن على أن نهاية ماركوس ورفاقه يمكن أن تشبه نهاية امليانو ثاباتا، الفلاح الهندي المثالي النزعة، الذي قاد الثورة ثم دفعته مثاليته إلى الابتعاد عن مجد السلطة وبريقها، فأصاب الطمع رفاقه فتخلصوا منه غيلة ليسلموا الثورة إلى الإقطاع، الذي كان عدو تلك الثورة الأول، وأول أهدافها القضاء عليه وتسليم الأرض لمن يزرعها كما كان يقول ثاباتا. لا يزال ماركوس يقف على أبواب البرلمان المكسيكي دون أن يتمكن من الوقوف على منصته الرئيسية ليطالب بحقوق أصحاب البلاد الاصليين، و من يمنعه هم أحفاد من نهبوا هؤلاء السكان ما منحتهم الطبيعة والتاريخ من ارث الأجداد الحقيقي. ماركوس ورفاقه من قادة حركة التحرير الثاباتية وصلوا إلى أبواب البرلمان بعد أن قطعوا آلاف الأميال، من الأحراش إلى العاصمة، وجدوا خلالها التأييد الشعبي الذي يمنحهم الحق في تمثيل، لا الهنود الحمر فقط، بل جماهير المكسيك المضطهدة اكثر من أولئك الذين وصلوا إلى البرلمان بتزييف الانتخابات وتزييف إرادة الجماهير عبر برامج انتخابية لا تنفذ ابدا، ومن خلال دعايات كاذبة. المواجهة الآن على أبواب البرلمان المكسيكي بين من يمثلون الحقيقة في مواجهة الزيف، وبين من يبحثون عن مكانهم تحت الشمس وبين من يريدون حرمان هؤلاء من تلك الشمس بادعاء انه لا يمكن نزع ملكية الأرض من اللص الذي سرقها آو سرقها أجداده لإعادتها لصاحبها الحقيقي وأحفاده. هؤلاء الذين يرفضون إعادة الحق للمطالبين به يراهنون على العودة إلى الزمن الماضي في علاج مشكلة تلك الأقليات، بينما يراهن الهنود الحمر على أنه لا يضيع حق من وراءه مطالب به، وان اللحظة حانت للحصول على ما طال انتظاره. لكن تردد أصداء الحركة الثاباتية في أنحاء أمريكا اللاتينية يجعل من الصعب الرهان على أن الزمن ضد تلك الحركة، ولا بد من التسليم في النهاية بتلك الحقوق المسلوبة قبل خمسة قرون، وإعادتها لأحفاد أصحابها، فقد فتح الثاباتيون دمل الهنود الحمر في جسد أمريكا اللاتينية ولا علاج إلا بالتسليم بمطالبهم. ? كاتب مصري مقيم في إسبانيا