عندما يقابلك في تيار الحياة اليومية شخص يمتلك القدرة الساحرة على فرض نفسه عليك، وينتزع ـ رغما عنك ـ اهتمامك، وربما يبتز افضل ما لديك من مشاعر انسانية، وهو يمتهن أية قيمة ببساطة تناوله طعامه أو تنفسه الهواء، لن تندهش، فهذه حالة غير استثنائية، ونموذج «للفهلوي» الذي يجيد اللعب بالبيضة والحجر، اعتماداً على القاعدة الذهبية للمحتالين: ليس اسهل من استخدام «الاخلاق الحميدة» كقناع لارتكاب افظع الجرائم، أو باحتراف مهارة استخدام الكلام الجميل للتغطية على الفعل القبيح، مثلما تفعل «ماما امريكا» دائماً، معنا عندما تتحدث عن حماية السلام والاستقرار وهي تدعم العدوان على الابرياء، وتنهب كل الحقوق. اما إذا قابلت مثقفاً يجيد «الفهلوة» وهي كلمة شائعة الاستخدام في اللغة الدارجة، فإنك لن تمنع نفسك من الدهشة وربما تنتابك الكآبة والسخط على تقلبات الزمان، لان ببساطة هناك تناقضاً صارخاً مابين الثقافة و«الفهلوة»، فالثقافة ترتقي بالسلوك والوعي الانساني، وتحمل الانسان مسئولية هذا العالم، وربما تحرضه على الانخراط في عمل دائم لتغييره نحو الأفضل، وتجعل الحلم بمدينة فاضلة أو «يوتوبيا» لا يفارق خياله، أما «الفهلوة» فهي فن التلاعب بعقول الآخرين، وتسويق صورة وهمية تجعلك تنظر لذوي العقول الفارغة على أنهم مفكرون، وذوي الضمائر المنتهية صلاحيتها على أنهم مصلحون، وإلى نهازي الفرص على أنهم ابطال واصحاب مباديء. وينطلق الفهلوي في الغالب من قاعدة موروثة ابدعها عتاة المحتالين في الازمان القديمة، وتعتمد على مداعبة الميل الانساني العام لتصديق الحكايات الوهمية، والاستمتاع بما وصفه الفيلسوف الغربي فرنسيس بيكون بأوهام المسرح والسوق، وخصوصا اذا غلفتها مسوح خارقة الافعال لا تصدق، ولا يقدر عليها الانسان العادي. وخطورة المثقف الفهلوي تكمن في قدرته على التضليل، وافساد عقول النشء، وازاحة المثقف الحقيقي وتهميشه، فالفهلوي قادر دائما على التعايش والتكيف والتواصل مع كل الرؤى، وان تناقضت، وتمكنه مهارته في فن التبرير من انتزاع تعاطف من بيده الامر، فهناك خصام أبدي بينه وبين الحقيقة طالما تغضب، وفي الوقت نفسه لا يملك من انتظار كل من تسول له نفسه ممارسة دور النقد والهجوم على الراحلين، ويتقمص مسوح البطولة بأثر رجعي لتمرير لعبته المخادعة. ومهما حاولت اصطياد «الفهلوي» فلن تستطيع، فلديه من الحيل في «جرابه» مالا ينقضي، ودائما لايكتشف أمره الا بعد فوات الاوان، لنصبح كلنا ضحايا، ولا يستفيد اللاحق منا من السابق، وان اردت ان تتعرف كثيراً على اوصاف المثقف «الفهلوي» انصحك بالعودة الى قراءة روايات عميد الرواية العربية نجيب محفوظ خصوصاً «ميرامار» و«ثرثرة فوق النيل» و«اللص والكلاب» ولمزيد من المعرفة باكتشاف «الفهلوي» يمكنك قراءة رائعة بهاء طاهر «وقالت ضحى» أو كتاب سليمان فياض الممتع «كتاب التميمة». سيد زهران