بينى وبين الهنود محبة قديمة، بدأت بمشاهدة الأفلام الهندية التي كنت أخرج منها باكيا كل مرة، فقد كانت أغلب الأفلام التي نراها في تلك السنوات البعيدة من النوع المسرف في ميلودراميته، أطنان من الدموع والكوارث المتلاحقة والعواطف المحبطة والمتأججة، وسلاسل متلاحقة من اشكال الظلم بكل أنواعه. ولأننى كنت صغيرا، بل وعاطفيا بحكم السن، فقد كنت أنفعل مع هذه الأفلام، وأبكى مع الأبرياء الذين ظلمهم الظالمون وانهمرت دموعهم لتغرق الشاشات. ومازلت أذكر ذلك المشهد العجيب الذى ظللت مشدودا فيه الى حركة البطلة، وهى تذهب الى منشار كهربائى لتقطع رجلها، ذلك لأن حبيبها الذى تحبه أكثر من الحياة قد فقد رجله في حادث. طبعا، الآن، ومنذ سنوات عديدة، وأنا أضحك على نفسى كلما تذكرت الدموع التي لامست وجنتى أثناء هذا المشهد، وأحسست بطعمها على شفتي، وصدقت المبالغات التي انفردت بها الأفلام الهندية على نحو لم يستطع أن ينافسه فيها حتى المغفور له حسن الإمام. الغريب أننى لم أعرف أن الهند لديها من الأفلام الممتازة فنيا إلا بعد سنوات طويلة، عندما ذهبت الى الولايات المتحدة للمرة الأولى. وكان من حظى أن وجدت في الجامعة التي كنت أعمل بها ناديا للسينما العالمية، أتاح لى أن أعرف ما لم أكن أعرف عن سينما العالم الذى كنت أجهل فنونه، وبواسطة هذا النادى تعرفت على أفلام من قبيل (سلام بومباي) وغيرها من الأفلام التي بهرت كل من شاهدها، ولا تزال تعتبر علامة على السينما غير التجارية الهندية. ومن يومها عرفت الفارق بين السينما الهندية التجارية والسينما الهندية الفنية، وأدركت لماذا يلجأ الموزعون الى الأفلام التجارية، وكيف يحرصون على عرضها وحدها لأنها تحقق الربح الكبير، وتخاطب العقليات الساذجة والخيالات المراهقة، ومنها ذلك الخيال الذى كان لديّ في تلك السنوات البعيدة جدا. ومع ذلك، ورغم كل ما تعلمته وعرفته، لا تزال لتلك الأفلام ذكراها الخاصة المرتبطة بمطلع الشباب البعيد الذى يبتهج المرء كلما تذكره، ويتحسر على فراقه كلما مضى به قطار العمر وأوغل في السنوات التي يشيب لها الشعر. ولا أعرف هل كانت هذه المحبة للأفلام الهندية هى التي جعلتنى أصادق زميلا هنديا في الجامعة أم لا؟ أذكر أننى عندما دخلت كلية الآداب، قسم اللغة العربية، ووصلت السنة الثالثة، وقابلت زميلا في الفرقة نفسها كان يعيد العام الدراسى لأنه رسب، وكان يكبرنى في السن بما يقرب من عشر سنوات، لأنه بدأ تعليمه متأخرا في الهند، وانتقل من التعليم الدينى في الأزهر الى التعليم المدنى في جامعة القاهرة، وكان محمد حياة الله وهذا هو اسمه شخصا بالغ العذوبة والطيبة، دخل قلبى بعد أن جلست معه لأشرح له بعض ما غمض عليه من دروس النحو بناء على طلبه المهذب. وما أن انتهت الجلسة الأولى حتى أصبحنا أصدقاء. ولم أتردد في مساعدته العلمية كلما طلب، ودعانى لزيارته في بيت قديم بجوار الأزهر، كان يقيم فيه مع مجموعة كبيرة من الهنود. ولا أذكر كيف انتهى الأمر الى أن وصل الحديث ذات مرة الى أنه من الأفضل له أن يسكن بالقرب من جامعة القاهرة. وتكرر هذا الحديث بيننا أكثر من مرة، الى أن فاجأنى باقتراح أن أترك الغرفة التي كنت أسكن فيها في الجيزة، ونسكن معا في شقة واسعة مع صديق هندى آخر، كان قد وصل الى القاهرة ليكمل عمله في أطروحة دكتوراه. وما كدت أوافق على الاقتراح مشترطا أن لا يشغلنى أحد بالبحث عن سكن جديد، وأن يتوليا هما كل ذلك حتى بدأ كلاهما البحث، وما كان أسهل العثور على (شقة للإيجار) في ذلك الزمان الذى مضى الى الأبد. وأفلح محمد حياة الله وزميله محمد راحة الله في العثور على شقة واسعة جدا في أحد شوارع الجيزة القريبة. وكانت مكونة من أربع غرف. الأولى لي، والثانية لحياة الله، والثالثة لراحة الله، والرابعة كانت بمثابة مكتبة أو مستودع للكتب. وعشت مع هذين الصديقين الهنديين ما يقرب من ثلاث سنوات، كانت من أسعد سنوات الشباب. تخرجت فيها بامتياز مع مرتبة الشرف. وكنت الأول على كل أقسام اللغة العربية في الجامعات المصرية. وتم تعيينى معيدا. كل ذلك ونحن معا. وبالطبع، نجح محمد حياة الله، ولم يعد يتخلف أو يرسب بفضل مساعدتى له. ولا شك أن شرحى له الدروس الصعبة، وهو أمر كان يفرض عليّ التمكن من هذه الدروس، كان يجعلها تثبت في ذاكرتي، خصوصا في العلوم التي لم تكن تعتمد كثيرا على الذكاء بقدر ما تعتمد على الذاكرة. ولم يتأخر محمد حياة الله في شراء كل المراجع التي كنا نحتاج اليها. كنت أنا أشترى الأساس بينما كان هو يشترى كل شئ يمكن أن ينفعه في الهند عندما يعود إليها. وقد كان كلا الزميلين الهنديين على درجة غير عادية من التدين والخلق الرفيع. وبقدر ما كانا يحثانى على الصلاة معهما في أوقات الصلاة ويذكرانى بمواعيد الصلاة إذا نسيتها، كانا يعفيانى تماما من العمل في الشقة، خصوصا في إعداد الطعام. وأذكر أن حياة الله قال: لا تشترك أنت في الطهو حتى يكون لديك وقت للمزيد من القراءة والمحافظة على الأولية . ولم يكن عندى شئ سوى القراءة والقراءة والقراءة. وما أكثر ما قرأت وطالعت من كتب. كان ذهنى في ذلك الوقت مثل الأرض العطشى الى الماء، تلتهم فورا كل ما يصلها من الماء، وكانت ذاكرتى لا تزال مرهفة كالنصل، تعيننى على تذكر كل ما أقرأ. وكم كانت جلسات المساء جميلة، بعد العشاء، حيث كنت أبدأ ممارسة دور الأستاذ الصغير الذى يحدث صديقيه الكبيرين عن كل ما قرأ. ويجيب عن أسئلتهما حول ما يلقيه عليهما من درس، ويشعر بقليل من الزهو وهو يرقب شيئا من الإعجاب في عيون الصديقين. ولم أكن أتعب في تلك السنوات من الأكل الهندي. وكان محمد حياة الله ومحمد راحة الله يتبادلان الطهو. وطبعا كان الأكل هنديا على الدوام. التوابل، البهارات. الطعم الحارق. الكركم. الكاري. الألوان الفاقعة. والخلطات العجيبة. للمرة الأولى، في حياتي، أرى اختلاط المالح بالسكر، ولم أكن أشكو من شئ بل كنت مستثارا من طرافة الطعام، فرحا بالصحبة الطيبة. ولاأزال أذكر مسامرات الطعام التي كان يتبادل فيها الصديقان الغناء، كان كلاهما يتحدث الأوردية. ويغنى بها. ووجدت نفسى بعد عام معهما أعرف مجموعة من الكلمات الأوردية، وكنت أرجو راحة الله أن يقرأ عليّ أحيانا، أو ينشدنى من الشعر الأوردي، وكان يفعل، بل كان أحيانا يترنّم بشعر الشاعر الهندى الكبير رابندارنات طاغور، فقد كان يعرف اللغة الهندية التي يكتب بها طاغور. ولم تنته علاقتى السكنية بهذين الصديقين العزيزين إلا بعد أن قررت الزواج. والبحث عن مسكن مستقل، بعد التخرج والعمل في الجامعة. وكان راحة الله قد فرغ من متطلبات الدكتوراه، وعاد الى جامعة عليجرة التي تدرّج بعد ذلك في مناصبها الى أن أصبح مديرا لها، بينما ظل حياة الله في القاهرة لسنوات بعد ذلك. وكان يعمل مترجما في البرامج الموجَّهة بالإذاعات المصرية، ويشرف على البرامج المعدّة باللغات الأوردية. تُرى أين راحة الله؟ وكيف حياة الله الآن؟ هل لا يزالان في جامعة عليجرة التي التحق بها حياة الله بعد أن ترك القاهرة؟ هل لا يزال كلاهما من الأحياء؟ هل لا يزالان يذكران الأغنيات الأوردية والهندية التي كنت أردد بعض مقاطعها معهما، هل لا يزالان يحفظان ألفية ابن مالك التي حفظتها معهما، وعلمتهما أن ينشداها ويتغنيا بها على سبيل اللهو؟ الإجابة عند الله، فقد انقطعت أخبار كليهما، منذ سنوات، ولم أسمع منهما أو عنهما. بالأمس، كنتُ أمشى في الشارع الرئيسى لمدينة كيمبردج الأمريكية وكان وقت الغداء. وكنت أبحث عن أقرب مطعم أتناول فيه الطعام لأعود الى المكتبة. وجدت مطعما باسم (قلعة الهند). دخلته. كان يقدم (بوفيه) مفتوحا، مليئا بأنواع الطعام الهندي. أخذت من وعاء عينة صغيرة، حرصا على المعدة التي أصابها الوهن، وجلست أتناول الطعام وحدي. ولكن كان معى ـــ في الذاكرة حياة الله وراحة الله. أقارن بين الطعام الذى أتناوله والطعام الذى كانا يقومان بطهوه. وأتذكر أصوات غنائهما مع الطعام وأقارن بين ما تعوّدت أن أسمع والأغانى الهندية الحديثة الموجودة في (سماعات) داخلية في المطعم. وأمدّ يدى الى ألوان الطعام بحذر. فإذا وجدت التوابل زائدة في صنف، تركته بحثا عن توابل أقل تحتملها المعدة، وتذكرت أيام أن كانت لا تهمنى توابل ولا شطة ولا أى شئ في تلك السنوات البعيدة الجميلة التي تمتعت فيها بصحبة صديقين عزيزين من الهند.