منذ وصول أرييل شارون إلى سدة الحكم في دولة الكيان الصهيوني بعد فوزه على خصمه العمالي إيهود باراك الذي كان متوقعاً نتيجة لاستطلاعات الرأي ، التي أكدت على فوز شارون، فإن الصراع العربي الإسرائيلي يأخذ بعداً آخر أكثر سخونة وأكثر تصعيداً وأكثر خطورة ليس فقط داخل الأراضي الفلسطينية التي تواجه حرباً شرسة منذ ستة أشهر متواصلة دون دعم عالمي حتى ولو معنوياً أو دعم عربي حقيقي يتناسب وحجم المأساة وحرب الإبادة التي يتعرض لها هذا الشعب الأعزل الذي يتعرض الآن للتجويع ولا يجد ما يسد رمقه من معونات أو طعام أو أدوية، ولكن هذه الترسانة الصهيونية موجهة الآن وبقوة إلى أطراف عربية أخرى خصوصاً دول الجوار مصر وسوريا، وليس مستبعداً أن تقوم دولة الكيان الصهيوني وحكومة الحرب التي شكلها شارون الذي لا يجيد إلا سفك الدماء بضربة خاطفة هنا أو هناك لصرف النظر عن الحرب الطاحنة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني من جهة ولتخويف دول الجوار خصوصاً مصر المساندة والداعمة للقرار الفلسطيني ثم لإرضاء الشعب الصهيوني الذي أيد هذه الحكومة النازية حكومة جنرالات الحرب وينتظر منها الكثير والكثير. كما أن زيارة شارون إلى الولايات المتحدة الأمريكية والذي استقبل فيها استقبال الفاتحين وذهب لإملاء شروطه على الرئيس الأمريكي والإدارة الأمريكية الجديدة وكوفي عنان أمين عام منظمة الأمم المتحدة الذي يعمل الآن موظفاً مطيعاً لدى الإدارة الأريكية فيما يخص الصراع العربي الإسرائيلي وحرب الإبادة المعلنة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل الذي لا يجد قوت يومه، ولا يستبعد أن يكون من بين المباحثات الثنائية بين شارون والرئيس الأمريكي تدبير مثل هذه الضربات الخاطفة ضد بعض البلاد العربية. ورغم أن الإدارة الأمريكية في عهد بوش الأب رفضت استقبال شارون منذ عشر سنوات، إلا أن دفة الأمور في السياسة الأمريكية تغيرت الآن كثيراً عما قبل بعد أن أحكم اليهود قبضتهم على القرار السياسي الأمريكي خصوصاً فيما يخص الصراع في الشرق الأوسط بدءاً من الاستطلاعات والاستشارات والدراسات التي تجريها مراكز البحوث التي يسيطر عليها اليهود ويوجهونها لخدمة الكيان الصهيوني وبصفة خاصة مركز الدراسات الاستراتيجية في واشنطن الذي أسسه اليهود عام 1984 والذي يعد المركز الأول في أمريكا حالياً وتعتمد عليه السياسة الأمريكية بصفة أساسية فيما يخص الصراع العربي الإسرائيلي. وقد ظهرت نوايا شارون العدوانية والتي تؤكد صدق استنتاجاتنا فيما يخص توجيه دفة الصراع في المنطقة إلى منطقة ساخنة وحساسة تنذر بالانفجار في شروطه التي أملاها على الإدارة الأمريكية والرئيس الأمريكي الجديد ورئيس المنظمة الدولية في عدم إرسال قوات دولية إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة لحماية الشعب الفلسطيني من حرب الإبادة التي تمارس ضده والتي طالبت بها السلطة الفلسطينية منذ فترة وخصوصاً بعد نجاح السفاح شارون وحكومة الحرب التي شكلها في إسرائيل، وفي عدم السماح للمنظمة الدولية بإرسال لجنة من هيئة حقوق الإنسان التابعة للمنظمة لاستطلاع الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، ثم أخيراً في طلبه من الإدارة الأمريكية بقطع المعونات عن مصر. وأمام هذا المشهد الجديد الذي يتبدى سافراً في دفع المنطقة إلى حرب جديدة ماذا يجب علينا كدول عربية و شعوب عربية وإسلامية لمواجهة الغطرسة الصهيونية المدعومة والمؤيدة على طول الخط من الإدارة الأمريكية وكثير من الحلفاء الأوروبيين وفي طليعتهم بريطانيا التابعة الآن لأمريكا. كما أن التصريحات الأمريكية الجديدة بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس حتى وإن حاولوا تغليفها بعد ذلك حتى تبدو مقبولة لدى العرب فإنها تعبر عن حقيقة السياسة الأمريكية في المنطقة التي تريد استمرار العقوبات ضد العراق وليبيا ومحاولة تقسيم الحكم في السودان إلى إدارتين وإرسال لجنة لتقصي الحقائق عن أوضاع الأقباط في مصر، كل هذه الأحداث زادت من تماسك الحكومات التي نرجو أن تسفر قرارات القمة عن ردود فعل واقعية تناسب كل هذه المخاطر التي تواجهنا والمتمثلة في محاولة إبادة شعب بالكامل وتهديد كل من يعترض على ذلك، وهذا يتمثل في وضع الآليات العملية لدعم الشعب الفلسطيني في محنته اقتصادياً وسياسياً والرد الموحد على القرارات الأمريكية الأخيرة بموقف عملي يعبر عن إرادة الأمة ورفض التجاوزات الأمريكية وسياستها الجائرة التي تقوم على التمييز الفج في التعامل مع قضايا الصراع في المنطقة بسياسة الكيل بمكيالين والتي تسعى جاهدة لاحتواء قرارات القمة قبل انعقادها بمقابلة المسئولين العرب ومندوبيهم وسفرائهم في أمريكا بحجة أن الإدارة الأمريكية الجديدة تحتاج إلى الوقت حتى تستوعب الأحداث وتكوّن رؤية صحيحة وسليمة. وينبغي على الشعوب العربية أن تكون على مستوى الأحداث وأن تستوعب خطورة الموقف المحيط بنا والذي يتمثل في العدوان الصهيوني من جهة والسياسة الأمريكية المنحازة على طول الخط من جهة أخرى، وذلك عن طريق استمرار المقاطعة للبضائع والمنتجات الصهيونية التي تتسلل خلسة إلى الأسواق العربية ومقاطعة البضائع الأمريكية التي تعد الأسواق العربية أكبر مستهلك لتلك البضائع والمنتجات. إن أمريكا لا تعرف سوى المنفعة وهي التي تمثل مفتاح شخصية تلك الدولة وفلسفتها في الحياة سواء كانت الحياة السياسية أو الاقتصادية، فإذا أدركت أمريكا أن المقاطعة العربية خصوصاً من قبل الشعوب والشارع العربي ستضر بمصالحها ومنفعتها، ساعتها ستغير أمريكا كثيراً في سياساتها تجاه المنطقة وستفكر ألف مرة قبل أن تدلي بتصريح مثل تصريح كولن باول بالتزام أمريكا بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس باعتبارها عاصمة الكيان الصهيوني، وستتراجع أمريكا عن غيها وتماديها تجاه شعب العراق والشعب الليبي وسترفع يدها عن السودان التي صرحت أن مشكلة الجنوب السوداني تمثل أكبر مشكلة مزمنة في العالم والتي يجب السعي إلى حلها، وأمريكا حينما ترفع لواء مشكلة جنوب السودان، وترى أن حلها في إدارتين بالسودان، فإنها لا تفعل ذلك حباً في قرنق أو أهل الجنوب، ولكن أمريكا تعلم أن أرض السودان غنية بالنفط وأن النفط يتركز بكثافة في الجنوب، كما أن استخراجه هناك غير مكلف كبقية المناطق بالسودان، وعلى هذا فإن أمريكا تريد وضع أقدامها للسيطرة على تلك المنطقة الغنية بالبترول حتى لا تظل تحت رحمة منظمة أوبك التي يمثل النفط العربي أكثر من 80% من انتاجها. إن السوق العربية التي يدعو إليها الرئيس مبارك الآن بقوة أصبحت أمراً ضرورياً في ظل هذه التحديات التي تحيط بنا، كما أن الوحدة الاقتصادية التي أصبحت قدراً محتوماً لا غنى عنه أمام الشعوب العربية في ظل التكتلات الدولية من جهة والمخاطر التي تواجهنا من قبل العدو الصهيوني والسياسة الأمريكية الصهيونية من جهة أخرى، خصوصاً وأن التنوع بين المنتجات العربية التي شهدت قفزة كبيرة كماً وكيفاً في السنوات الأخيرة تغني السوق العربية والشارع العربي عن كثير من المنتجات والبضائع الأمريكية، وما نحتاج إليه مما ليس موجوداً يمكن استيراده من الدول الإسلامية أو الشرقية كالصين وغيرها من الدول المتعاطفة مع قضايانا فهذه السوق هي الطريق العملي إلى الوحدة وإلى التكامل الاقتصادي وهي الوسيلة للرد العملي على الغطرسة الأمريكية والصهيونية التي تعد الأسواق العربية أكبر منفذ لها والتي تدر من ورائها مليارات الدولارات سنوياً. ? كاتب مصري ـــ جامعة الإمارات