لم يعد خافياً على أحد أن الاوضاع السياسية في دول العالم الثالث لا تزال غير سليمة، على الرغم من كل الجهود التي تبذل لتحسينها وترقيتها. فهذه الدول عانت كثيراً من الفوضى الداخلية والحكم العسكري، ومن التدخلات الاجنبية التي اضعفت بُناها المختلفة وأرهقت اقتصادياتها، وأوهنت قواها، وعززت النظم التعسفية فيها، وأبعدتها مسافات شاسعة عن مسيرة الحضارة الانسانية الحديثة. أما اليوم، فهناك من يقول إن دول النظام العالمي الجديد، ولا سيما الولايات المتحدة، تريد ان تكفّر عن اخطاء الماضي وخطاياه، وأنها في سبيل تمهيد الطريق امام احلال الديمقراطية والاستقرار والرخاء في العالم الثالث. وإذا صحت هذه المزاعم، فإن النهج الجديد سيكون مرتبطاً بالمصالح والظروف الجديدة أكثر من النوايا الحسنة، أو الرغبة في التكفير عن الذنوب السابقة. ومهما يكن من أمر، فإننا نستطيع اليوم ان نلمح تحركات ونشاطات عديدة في الدول المتخلفة، تهدف الى الانفتاح والتغيير والاصلاح واللحاق بموكب التقدم الحضاري. ولكن الطريق الى تحقيق هذه الأّهداف غير واضحة، ولم تنضج بعد بدرجة كافية. ومع ذلك، فإن هناك من يفكر بإمكانية احداث تغيير راديكالي جوهري، وقلب الأوضاع كلها رأساً على عقب. وهذا الأسلوب، كما يبدو غير مضمون، ومحفوف بالأخطار، ولا يمكن تحقيقه الا باستخدام العنف، مما يقود الى دوائر اخرى لا تنتهي من العنف المضاد. والأسوأ من هذا أن الجماعة التي تستخدم القوة للحلول محل فئة أخرى، يحتمل أن تكون أسوأ من سابقتها، وقد تتحول توجهاتها وشعاراتها بعد استلام السلطة الى عكس ما كانت تدعو اليه ابان مناداتها بالتغيير. وقد أثبتت الاحداث ان الطروحات التي يرفعها بعض السياسيين، تذوب وتختفي، عندما يصل هؤلاء الى سدة الحكم، وبعد ان تكشّر النزعة الفردية والأطماع الشخصية والطموحات الأنانية عن أنيابها، وتنشب مخالبها في كل اتجاه. وهذا الوضع يشبه ما يحدث، عندما يقدم المرشحون برامجهم الانتخابية وخططهم للتطوير والتحسين، ثم تختلف الصورة كلها، بعد فوزهم في الانتخابات. وهذا طبعا مجرد احتمال، اذ ليس من المستبعد ان تحافظ الجهة الداعية الى التغيير الراديكالي على وعودها وتلتزم بتعهداتها في خدمة مصالح الوطن. ومعنى هذا ان القوى السياسية الجديدة التي يفرزها التغيير الانقلابي الجذري، قد تكون افضل أو أسوأ من القوى القديمة. ولكن من الوارد ان تحمل بذور حروب اهلية وحلقات متتابعة من العنف والعنف المضاد. وهذا ما شهدناه في كثير من الدول الأفريقية وأفغانستان. وفي ضوء هذه المصاعب، نتساءل عما اذا كانت هناك طريق اخرى للنهوض بدول العالم الثالث حتى يتحقق لها بعض الحضور على مسرح التاريخ، والظهور على شاشة الحضارة الحديثة. وبالفعل، فإن هناك طرقاً اخرى، قد تكون اكثر امانا واضمن نتيجة، ولكنها من جهة ثانية، تعج بالمصاعب والعوائق، ونقصد بها اسلوب الاصلاح التدريجي. وهو يستغرق وقتاً طويلاً، ولكن نتائجه مثمرة بصورة أكيدة، اذا تم تطبيقه بالفعل. والعقبة الكأداء في سبيله، العلاقة غير السليمة بين الحاكم والمحكوم في دول العالم الثالث. فالأول كثيراً ما يمارس الهيمنة والفوقية ويتحكم بالثاني، في حين ان الثاني يتخذ حيال الاول واحدا من موقفين متطرفين، فإما الولاء المطلق والنفاق له والسير في ركابه بطريقة عمياء، بغية اقتناص المغانم، او عدم الثقة به على الاطلاق، والتغاضي عن ايجابياته والتصور بأنه عدو لدود يريد ان يجرده من كل مقومات حياته. وكلا الموقفين يتسمان بالتطرف، ويقودوان الى استمرار ازمة العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وللخروج من بوتقة هذه الازمة، ينبغي على الاول ان يعرف دوره الحقيقي، وهو السهر على مصالح الشعب ورعاية شئونه، لا الهيمنة على افراده والتحكم بمصائرهم. أما الثاني، فإن المطلوب منه عدم الانسياق وراء التأييد المطلق الذي يصل الى حد الانتهازية والنفاق الاعمى. وعليه في الوقت نفسه، ان يقدر موقف الحاكم والصعوبات التي تعترضه والضغوط الداخلية والدولية التي تواجهه وعدم قدرته على ارضاء جميع فئات المجتمع وشرائحه في آن واحد. وبتعبير آخر، فإن من واجب المحكوم ان يبتعد عن الزّلفى الكاملة للحاكم ويتجه نحو النقد البناء والمجاهرة بالحق وعدم السكوت على الاخطاء، وكذلك ان يتوقف عن التحامل المفرط ضده، وان يقدر ظروفه الصعبة في الحكم، وما يكتنفها من عقبات واشكاليات ومطبّات. أي ان على المحكوم ان يتخذ موقفا وسطيا معتدلاً ازاء الحاكم، يتسم بالاعتراض على السلبيات، والترحيب بالايجابيات. وباتباع هذا النهج، سيجد الثاني حافزا كافيا كي يسير في طريق الخير. وعندما تنشأ علاقة جديدة تتخللها بعض الثقة بين الشعب وأصحاب القرار، يصبح المجال مفتوحاً أمام اجراء اصلاحات تدريجية متواصلة تقود الى تقدم المجتمع. ومن المفيد هنا، تشجيع النخبة وإقناعها بأن المكاسب التي تحصل عليها من جراء تحسين أوضاع البلاد، والشعبية التي ستحظى بها بفضل هذا، هي احسن مما تحققها لها المنافع الضيقة المؤقتة التي ستتوافر في حالة انتهاجها نهج التعسف والتهالك على المصلحة الخاصة. وتقع مهمة الاقناع هذه على عاتق المفكرين والكتّاب المخلصين الذين يهمهم تحقيق التقدم، بشتى الطرق، بما فيها تحسين العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبناء جسور الثقة بينهما، اذا كان هناك مجال لذلك، بدلاً من بقاء الصراع مستعراً والنار محتدمة بين الطرفين. والمهمة الثانية التي يجب ان يضطلع بها المثقفون المتنورون تتجلى في رسم الحلول والاجراءات العملية والتنظيمية والقانونية اللازمة لتنفيذ نهج الاصلاح، وتحقيق التحول السلمي التدريجي من حالة التخلف والجمود الى حالة الانتعاش الحضاري. ان الانظار موجهة اليوم الى دول العالم الثالث في آسيا وأفريقيا والتي لم تلتحق بعد بموكب التقدم. وعلى هذه الدول ان تدرس اوضاعها بدقة، وان تحدد الطريق التي ستسير فيها بوضوح. فإن أمكن تحقيق تحولات راديكالية وجوهرية نحو الأفضل بدون عنف وسفك دماء، وبالاتفاق بين جميع القوى والفصائل، فإن هذا سيعد انجازاً رائعاًَ. أما اذا تعذر الوصول الى التغيير الايجابي الشامل والسريع، بطريقة سلمية، فإن من الافضل الركون الى الاصلاح المتدرج، شريطة ان يتم بنيّة سليمة وبخطوات متلاحقة، دون أي انقطاع. خلاصة القول، ان أمام الدول المتخلفة طريقين لكسر حلقة تخلفها، الأولى تتجلى في التغيير البنيوي الأساسي السريع والحاسم، وهي طريقة مزروعة بالأخطار، والثانية تتمثل بالإصلاح المتدرج الذي يتم بالتفاهم بين الحاكم والمحكوم. وهو أضمن في نتائجه، ولكنه بطيء، وقد لا يصل الى الحد الأقصى من الاصلاحات المطلوبة، وإن كان من المحتمل ان يبلغ، في مراحله المتقدمة البعيدة درجة التغيير الجوهري الشامل. ? كاتب سوري