قبل ان تختتم القمة العربية أعمالها في العاصمة الاردنية عمان اعلن مساعد وزير الدفاع في ادارة بوش الجديدة في الولايات المتحدة ، ان واشنطن تعمل حاليا على اسقاط النظام الحاكم في العراق لاحلال نظام ديمقراطي. فهل يمكن ان يعتبر مثل هذا المسلك منسجما مع دعوى الانتصار لمبدأ «الشرعية الدولية» الذي تستند اليه السياسة الامريكية الرافضة لالغاء نظام العقوبات الدولية المفروضة على العراق؟ مراعاة مبدأ «الشرعية الدولية» فيما يتعلق بالشأن امر أحدث انقساما عربيا كان احد سمات اجتماع قمة عمان.. وسوف يبقى هذا الانقسام بعد القمة لأمد غير معلوم. ومعارضة رفع العقوبات عن العراق على اساس الالتزام بشرعية القرارات الدولية ليس من الناحية النظرية على الاقل موقفا بلا منطق.. لكنه، على الصعيد التطبيقي، منطق جزئي. وعندما تعلن الولايات المتحدة رسميا انها بصدد خطة احادية انفرادية تهدف الى اسقاط نظام حاكم في دولة اخرى بالقوة فانها تقول ضمنا انها في هذه الحالة في حل من الالتزام بالشرعية الدولية. قد يقول بعض العرب انه لا يصح تجريم واشنطن لمجرد انها اعلنت نية قد تنفذ عمليا وقد لا تنفذ. لكن ماذا عن مناطق «الحظر الجوي» في العراق؟ بتواطؤ مع بريطانيا ومن وراء ظهر هيئة الامم المتحدة وخارج اطار الشرعية الدولية تماما عينت الولايات المتحدة منطقتين جويتين في شمال العراق وجنوبه لتسيير طلعات جوية منتظمة فوق المنطقتين تتخللها غارات جوية من حين لآخر ضد أهداف داخل الاراضي العراقية. والتبرير الامريكي لهذا التدبير الأحادي بأن الهدف هو حماية الاكراد في شمال العراق والشيعة في جنوبه من الحكومة المركزية في بغداد لا يسنده اي قرار دولي. واذا كان مبدأ احترام الشرعية الدولية يسوغ استمرار نظام العقوبات الدولية على العراق بموجب قرارات محددة من مجلس الامن الدولي فلماذا لا يقابل خروج واشنطن عن الشرعية الدولية ذاتها بفرض عقوبة الحظر الجوي التي لا علاقة لمجلس الأمن الدولي بها على الاطلاق؟ كيف يستقيم أن تكون الشرعية الدولية بشأن ظرف معين موضع إجلال واحترام وتقديس وتكون في الوقت نفسه بشأن ظرف اخر موضع استخفاف واستهتار وخرق فاضح؟ هذا ما يتعلق بأمر العراق. اما ما يتعلق بالشعب الفلسطيني فهو ادهى وأمر. فالشرعية الدولية في المشهد الفلسطيني كاد يطويها النسيان. وباستحضار المشهد العراقي في هذا السياق فاننا نرى مفارقة عجيبة في الموقف الامريكي تجاه كل من البؤرتين: إصرار على ابعاد الامم المتحدة في مشهد.. وإصرار بالقوة نفسها على اقحامها في المشهد الاخر.. بحلول يونيو المقبل يكون الاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية في عام 1967 قد اكمل سنته الرابعة والثلاثين. وبسبب التجاهل المنهجي الاسرائيلي لقرارات الامم المتحدة التي تنص على تصفية حالة الاحتلال اشتعلت انتفاضة شعبية فلسطينية. ومبدأ الشرعية الدولية الذي يفرض على اسرائيل الجلاء عن الارض الفلسطينية هو ذاته الذي في الوقت نفسه يضفي على الانتفاضة مشروعية مقاومة احتلال اجنبي بكل الوسائل المتاحة. هذا ما ينص عليه ميثاق الامم المتحدة. لكن الولايات المتحدة، مثل اسرائيل، تصنف الانتفاضة الفلسطينية كعنف غير مشروع. صفوة القول اذن هي انه عندما تقول اطراف عربية باستمرار العقوبات على العراق من منطلق الالتزام بالشرعية الدولية فانها تظلم المنطق والواقع الدولي معا. أحمد عمرابي