حديث الحرب بوصفها أعنف مظاهر الصراع البشري حديث ذو شجون بطبيعة الحال، يستوي في ذلك مثلا حرب داحس والغبراء الشهيرة عند عرب ما قبل الاسلام ، أو حرب طروادة الأكثر شهرة عند اغريق ما قبل التاريخ، وبين داحس التي سجلتها معلقات الجاهلية وطروادة التي سجلتها إلياذة هوميروس.. يا قلب لا تحزن كما يقول المثل السائر، فما أعجب ان تندلع صراعات وتشرع السيوف ويقتل العشرات في بوادي جزيرة العرب والسبب الأساسي مشكلة أثيرت حول حيوانات تركب من بهيمة الأنعام.. بنفس القدر اشتعلت الحرب الاغريقية وسيرت الجيوش وجهزت الاساطيل وركب الصناديد البحر اليوناني والمتوسط من اليونان الى طروادة في آسيا الصغرى، وشهدت الساحات مصارع الفرسان ومقاتل الابطال، وناحت النائحات عند أسوار طروادة عندما قتل اخيلوس اليوناني بطلها هكطور الطروادي.. الى آخر ما أنشدته ملحمة الالياذة، وكل ذلك ـــ كما تقول أساطير الميثولوجيا ـــ من اجل استرداد السيدة هيلين التي كانت زوجة الملك الاغريقي ميناؤوس، وحدث ان اختطفها (طوعا أو كرها) الأمير الفارس باريس ابن بريام ملك طروادة.. ولما كان الشرف الاغريقي الرفيع لا يسلم الا اذا أريق على جوانبه دماء مسفوحة ومدرارة.. فقد اشتعلت الحرب بين ممالك اليونان ومملكة طروادة من اجل عيون هيلين، وهي الفرصة التي اهتبلها شاعر اليونان الضرير هوميروس فكان ان شهر قيثارته وأنشد الالياذة التي تأثر بها ولايزال كل مثقف اوروبي، بل وغير أوروبي. وظلت مستغلقة عن لغتنا اليعربية الشريفة الى ان قيض الله لها مثقفا عربيا من ذوي العزمات هو اللبناني سليم البستاني (ت عام 1925) فاستقرت عزيمته الجليلة على ان ينقل الالياذة الى لغة العرب، وان يترجمها شعرا. ورغم ان البستاني ـــ وهو من عائلة مسيحية لبنانية لها اياد ناصعة البياض على ثقافتنا الحديثة ـــ كان يجيد الفرنسية والانجليزية، الا انه آثر ان يمضي نحوا من خمس سنوات تفرغ فيها لتعلم واجادة اليونانية الفصحى ـــ لغة الالياذة ـــ ثم وضع الاصل وترجماته المختلفة أمامه واستعان بطائف الشعر الى ان نقلها في نحو عشرة آلاف بيت من الشعر العربي الفصيح الجميل. وكان ذلك فتحا ابداعيا ومعرفيا وثقافيا في أول القرن العشرين، وهو ما دعا كوكبة مثقفي ذلك العصر الى التباري في تكريم سليم البستاني وانشاد قصائد الحمد والامتنان لهذه المأثرة الجليلة التي أثرى بها لغة الضاد. النار والشرار واذا كان لنا ان نستميح العذر أو بعض العذر عن هذا الاستطراد، فما ذلك الا لكي نوفي هذا المثقف الجليل حقه، وايضا لكي ندلل على ان من الحروب المشتعلة ما قد يصدق عليه، حتى على اختلاف الانساق الثقافية والظروف المادية، قاعدة معظم النار من مستصغر الشرر، بل كان من هذا الشرر المستصغر ما يتفاءل الى حد ان يكون ـــ كما سجل التاريخ الذي ألمحنا اليه ـــ شررا أحمق ما بين خلاف حول دابة للركوب أو صراع حول امرأة مشهود لها ـــ وقتها ـــ بالجمال. بين المنافسة والصراع وبعيدا عن معلقات العرب وملاحم اليونان ظل قانون الحرب يستند الى عاملين أساسيين هما: أولا: المنافسة. ثانيا: الصراع. وحين اكتهلت البشرية ونضج وعيها وتعقدت حياتها وازدادت احتياجاتها تحول هذا العصر الى التنافس والصراع أو النزاع ليشتجرا حول أهم الموارد وألزم المواد التي لا غنى عنها للحياة والحضارة، ويمكن تلخيصها بأنها: ـــ الأرض.. المياه.. الذهب، الامجاد الكريمة.. التوابل والاخشاب (فضلا عن معادن أخرى كانت الحاجة تدعو اليها بين حين وآخر ومنها مثلا النحاس أو الحديد أو الفحم وما الى ذلك). ومن يطالع أدبيات وملابسات حركة الكشوف الجغرافية لن يتصور أنها صدرت في الاساس عن الدعوة السماوية التي نبهت البشر ان يسيروا في الأرض لينظروا كيف بدأ الخلق وإن كان هناك من فعل ذلك بحكم عبقرية الفضول العلمي التي أودعها الحق تبارك وتعالى في فطرة الانسان، بل الحاصل ان حركة الكشف كانت تصدر بالاحرى عن رغبة في اكتشاف وارتياد المصادر الاساسية لتلك الموارد الأساسية ايضا، اللازمة لدفع عجلة التطور البشري الى الأمام. ولقد كانت حركة الكشوف الجغرافية وحركة الارتياد التي وسعت ارجاء واسعة وقصية من كرة الأرض ما بين رحلات «ماركو بولو» الايطالي الى رحلة «ماجيلان» البرتغالي الى رحلة «كولومبوس» الايطالي الاصل الاسباني التمويل الى الرحلات التي مولتها «اليزابيث» الأولى عاهلة بريطانيا ومعاصرة ويليام شكسبير وقد انتظم في سلكها رحالة ومكتشفون مشاهير من أمثال السير «فرانسيس دريك» فضلا عن رحلة «دياز» الاسباني الى ارجاء قارة امريكا اللاتينية، كان هذا كله كفيلاً بأن يضفي معارف جديدة ويفتح آفاقا مشروعة لتوسيع مدركات البشرية وتزويدها بامكانات مستحدثة تزيد من رفاهيتها ويسر الحياة لأبنائها، لكن الذي حدث ان انطبقت على هذه الحركة الاستكشافية قاعدة «قُتل الانسان ما أكفره»، بمعنى ان اختلط العلم بالطمع وامتزج الكشف بالجشع، وارتاد الانسان آفاقا جديدة وتخوما مجهولة من كرة الارض لا لكي يعمرها ولكن لكي يستعمرها، والعمران بناء وحضارة واستثمار لصالح الجميع، والاستعمار كما هو بديهي يبدأ بالعدوان ويتوسل بالاستغلال وينطلق من الشره ويستهدف الاستئثار بالثروات المكتشفة والعمل على استنزافها ونزحها بغير وازع من ضمير حتى ولو اقتضى الأمر ـــ وهو ما حدث بالفعل ـــ مطاردة السكان الاصليين في تلك الاصقاع الى حد الابادة الجماعية في بعض الاحيان، وتلك بالذات تجربة الاستعمار الاستيطاني بالذات مع هنود امريكا (الحُمر) وسكان المستعمرات الاصليين في آسيا وفي افريقيا وصولا ـــ حتى لا ننسى ـــ الى أخبث وأخطر أنماط الاستيطان الاستعماري على يد الحركة الصهيونية العنصرية في فلسطين. القرن التاسع عشر على ان هذا التنافس والصراع الدولي على الموارد اشتدت ضراوته بعد ان دخل العالم في طور الثورة الصناعية التي شهدها القرن التاسع عشر بالذات.. هذه الضراوة الطامعة في استغلال الموارد الأساسية بدأت بالمواد الحيوية اللازمة للصناعة، وكانت تتمثل في موارد الفحم (في عصر البخار) في أوائل القرن التاسع عشر، ولكنها انتهت مع أواخر القرن ومع اكتشاف طاقة الكهرباء الى الرغبة البالغة الشراهة في استغلال موارد البترول. سقوط الامبراطوريات وعندما حل القرن العشرون، كانت حركة المد الاستعماري قد استقرت أو كادت وتحول التنافس والصراع الكوكبي الى حيث الطمع في التوسع الاقليمي، امبراطوريات تريد ان تطيح بامبراطوريات وتزيحها الى حد الالغاء بل الاعدام من فوق خريطة العالم. هذا هو بالضبط ما حدث خلال الحرب العالمية الأولى (1914 ـــ 1918) التي اسفرت عند ختامها أو بُعيد ختامها عن زوال امبراطورية الهابسبورج في النمسا والمجر وامبراطورية القياصرة في ألمانيا وامبراطورية رومانوف في روسيا القيصرية ثم امبراطورية بني عثمان في تركيا وكان الهدف كما أسلفنا يتمثل في نمط الاستيلاء على الأرض أو التوسع أو الازاحة الاقليمية لصالح المنتصرين في الحرب بطبيعة الحال (وكان ثمة حاشية كارثية على متن هذا التوسع الاقليمي تم تكريسها في عام 1917 خلال اشتعال تلك الحرب العظمى الأولى وتمثلت في «وعد بلفور» الذي جاء ايذانا بمخطط الازاحة الاقليمية لصالح حركة الاستعمار الاستيطاني الصهيونية الوافدة من اوروبا، بل التي رمتنا بها اوروبا كما تتخلص مما سُمي عبر تاريخها الصراعي باسم المشكلة اليهودية فكان ان عمدت الى ان صدّرت الينا المشكلة وأصحابها في حزمة مقيتة واحدة، وكان هذا كله ـــ ولا يزال ـــ على حساب شعبنا العربي في فلسطين. مجال هتلر الحيوي الحرب العالمية الثانية رفعت من جانبها شعار «المجال الحيوي» الذي كرسته الحركة النازية في ألمانيا الهتلرية بزعامة ادولف هتلر الذي صعد الى مدارج السلطة في برلين وسط ظروف اقتصادية خانقة كان في مقدمتها البطالة وانقطاع الارزاق واستغلال يهود ألمانيا لعواقب الكساد الاقتصادي وفشل نظام «هندنبرج» في تحقيق المهام السياسية والاقتصادية التي كان يتطلع اليها الشعب الالماني. ومرة اخرى تفضي الحرب الى اعادة رسم خريطة النظام الدولي.. سقوط وزوال كيانات وتغيرات في احوال كيانات وصعود كيانات أخرى.. هكذا زال النظام الناز ي بالهزيمة الماحقة وتم تحجيم الامبراطورية البريطانية والفرنسية بفعل الجراح التي أصابتها خلال سنوات الحرب لكي يصعد الى قمة النفوذ والتأثير في عالم ما بعد الحرب كيانان أحدهما في الشرق (الأوروبي) وهو الاتحاد السوفييتي والآخر في أقصى الغرب من الكرة الارضية وهو الولايات المتحدة الامريكية. وعندما ألقى السياسي البريطاني ونستون تشرشل خطبته الشهيرة عند منتصف الاربعينيات وقال فيها: ـــ إن ستارا حديديا قد نزل على الاتحاد السوفييتي وتوابعه من دول شرق اوروبا ليفصلها عن العالم الحر. هنالك اشتعلت حرب كونية ثالثة عرفت ــ كما تدري ـــ باسم الحرب الباردة. اشتعال حرب الأيديولوجيا ولأن هذه الحرب كانت عقائدية بالدرجة الأولى وكانت اسلحتها البروباجاتلر والجاسوسية والكلمة الايديولوجية والمعتقد، وقد تأجج أوارها بعد اكتشاف الرادار وتحوّل الصحافة المكتوبة من حرفة الى صناعة متكاملة وتطور، ومن ثم ظهور الإعلام والاتصال الجماهيري كعلم له اصوله الاكاديمية وفنون ممارسته العملية، ناهيك عن نضوج الراديو كوسيلة اتصالية باهرة الامكانات وبالغة التأثير في صياغة اتجاهات وتيارات الرأي العام، فضلا عن اكتشاف الترانزستور في أوج اشتعال الحرب الباردة، كل هذا أدى الى نتيجة جديرة بالرصد والتسجيل يلخصها مثقف امريكي بارز هو البروفيسور «مايكل كلير» استاذ دراسات الامن العالمي في جامعة هامشاير بالولايات المتحدة حين يقول: بعد ان وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها ومن ثم اندلاع الحرب الباردة، كانت تلك وليس غيرها هي الفترة التي فقدت فيها قضية الموارد (المادية) دورها الطليعي البارز الذي تنازلت عنه ـــ فيما يبدو ـــ لصالح الاهتمامات الاستراتيجية والايديولوجية التي انشغلت بهما الدولتان العظميان اللتان كانتا تحتلان ـــ وقتها ـــ مركزا محوريا على مسرح الاحداث. بعدها يورد الاكاديمي الامريكي ملاحظة بالغة الدلالة تقول: أما وقد انتهت الحرب الباردة تماما وبات العالم يدخل حقبة جديدة، فقد عاد التنافس (الصراع) على الموارد ليقوم بدور محوري حاكم وجوهري في شئون العالم. من دراسة ضافية نشرها البروفيسور مايكل كلير بعنوان «الصراع على الموارد والسياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين» (انظر مجلة كرنت هستوري المعنية بالشئون الجارية عدد ديسمبر 2000). قرارات مجلس الأمن في هذا السياق يلفت انظارنا في اطار ما نتابعه من مصطلحات يجري طرحها في سوق المفاهيم والافكار التي يضطرم بها عالمنا مصطلح يصوغونه على الشكل التالي: ـــ سياسة الموارد (أو السياسة المواردية) ورغم ان المصطلح قديم أو مفهوم بالبداهة، الا انه أصبح متداولا بالحاح واهتمام خلال عام الختام من القرن العشرين، وقد تجلى هذا الاهتمام من جانب مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بوصفه مؤسسة صنع القرار على المستوى الدولي. ففي مارس عام 2000 أصدر مجلس الأمن قراره الشهير بشأن الحروب الاهلية في غرب افريقيا ما بين الكونغو (كابيلا) الى أنجولا، وفي القرار المذكور كشف مجلس الأمن عن ان كبريات بيوت تداول الماس في العالم (يوجد أهمها في روتردام في هولندا وفي بلجيكا وفي... اسرائيل) تتاجر في أنواع الألماس والجواهر المستخرجة بصورة مشروعة من مناجم افريقيا، وتحصل هذه الدوائر العالمية عليها من قوات المتمردين في بلد تعيس مثل أنجولا وفي انتهاك لحظر فرضته على هذه التجارة منظمة الأمم المتحدة ومن ثم تعود المبالغ غير المشروعة المتحصلة من نصيب المتمردين من عائدات هذا البيع على شكل أسلحة ومعدات حربية يتجدد معها اشتعال الحروب الاهلية في مناطق غرب افريقيا ويطول أمدها الى مستقبل غير منظور حيث لا يروح ضحيتها سوى السكان المدنيين الذين تنهب مواردهم الوطنية ويقتل ابناؤهم وتدمر سبل معايشهم، ومرة اخرى شهدت سوق المصطلحات الدولية مصطلحا جديدا هو «حرب الماس» أو «الصراع الماسي» إن صح التعبير. في شهر ابريل عام 2000 اندلع صراع جديد في زيمبابوي الافريقية هذه المرة وفي ظل نظام الرئيس موجابي الذي قاد بلاده نحو الاستقلال، وهي حرب الأرض هذه المرة لأن أجل التوسع الاقليمي، بل الأرض بوصفها موردا للزراعة التي تغل عائدا اقتصاديا ولاسيما مساحات الارض الممتازة التي لايزال يستأثر بملكيتها المستوطنون البيض المقيمون لايزالون في زيمبابوي حيث يملكون اجود الأراضي ويستخدمون جموع العمال السود الافارقة من اهل البلاد لفلاحتها، ينال الأولون أينع الثمار ولا يبوء الآخرون، أهل البلاد الاصليون والحقيقيون، الا بشروى النقير كما يقول المثل العربي القديم، والصراع لايزال محتدما حول الأرض. ثم صراع البترول وفي سبتمبر عام 2000 ايضا انتقل الصراع الى مجال شديد الخطورة ومعرض للالتهاب مجازيا وحرفيا بنفس القدر.. هو صراع البترول كمورد استراتيجي بكل المعاني. في سبتمبر من عام 2000، شعر العالم بأزمة نقص حقيقية في موارد البترول، وصاحب ذلك موجة كانت عاتية من ارتفاع الاسعار وسادت اوروبا ـــ المستهلك البترولي الأول ـــ موجة من الاحتجاجات والاضطرابات التي عارضت ارتفاع الاسعار، وأدى ذلك ـــ كما يشير البروفيسو ر «مايكل كلارك» ـــ الى ان قررت هيئة الاحتياطي النفطي في امريكا ان «تفرج» عن 30 مليون جالون من النفط من مخزوناتها. ولايزال مورد النفط مطروحا على خريطة الاهتمام والتنافس العالمي وخاصة من (الأوبك) وهي ممثل المنتجين وجموع المستهلكين وهم دول العالم الأول، الصناعية في الأساس. وهكذا أبى القرن العشرون الا أن يودع عالمنا وقد خلّف من ورائه تركة ليست بالهينة ولا هي بالواعدة بحال. ومن المحتم أن يتعامل معها الوريث وهو قرننا الراهن ـــ الحادي والعشرون وعلى البشرية ان تواجه ما آل اليه الموقف بصلابة وموضوعية وفهم علمي يستند الى تحليل على البارد بغير مزايدة أو انفعال. ولا يزال هذا الحديث متصلاً ? كاتب سياسي من مصر