الوَحْشَةُ : أليس من حقهِ أن تصيبه الوحشة بعد الدهشة وهو يفتح المذياع على إذاعة تتحدث العربية وتكاد تذهب بسمعه اغانيها الصاخبة التافهة بلهجات عربية مختلفة؟ ثم اذا التفت يُمنَةً أو يُسرةً في ذلك الشارع المليء بالمحلات التي تحمل لوحات مختلطة اللغة بالعربية والانجليزية وغيرها ثم لا يكاد يجد بين تلك الرؤوس والاجساد المتماوجة في ذلك الشارع المزدحم بل لا يجد بينها من يمكن أن يسأله عن جهة الطريق لأنه لن يجد في ذلك الشارع العربي من يجيد العربية, ثم ماذا اليس من حقه اذا انقلبت تلك الدهشة خوفاً فيصرخ من داخله أين أنا؟ التراث التراث جزء من تاريخ الامم وهو عند العرب أكثر شيء من المفروض أن يدل على هويتهم وسماتهم, فما هو التراث؟ إنه الأرث العظيم الذي تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل والتراث ليس لباسا وثيابا ومآكل ومشارب ومباني وحسب فما ذلك الا الجزء اليسير من الارث والارث لا يتمثل أكثر ما يتمثل إلا في اخلاق الامم ومعارفها وعقائدها وافكارها وآدابها والدليل على ذلك ان الملبس المستمد من التراث يلبسه كل من شاء بلا شرط ولا قيد فليس كل لابس لملابس التراث يمثل أمة أو يدل على هوية شعب لذلك لا عجب أو تجد من يعصم رأسه بعصامة عربية اماراتية ويلبس ثوباً اماراتياً مخصوصا ثم لا تجده يقيم لذلك المظهر وزناً فيتأبط في ذراعه عارية تضحك عليه وهو يظنها تضحك معه. الشعر ذلك الفن الذي كان أدب العرب وديوانهم ومفخرتهم ومخزون تجاربهم وحكمتهم كيف اصبح بضاعة من لا بضاعة له ووسيلة كسب وارتزاق؟ وكيف سميت به كلمات فارغة من معاني الحب الصادقة الشريفة إلى معاني الوقاحة والمجون والدعاوى الى الانحلال على أيدي كتاب لكلمات تشبه الشعر تغنى بأفواه مغنين يرقصون وهم يغنون كذبا وزورا ما يشبه البكاء من معاني تلك الكلمات. البحر الكثيرون من ابناء هذا الجيل ومن الاخوة العرب والمسلمين الشرفاء من الوافدين على هذا البلد الآمن لا يعلمون ان البحر كان ملاذ اهل هذه الارض لهم منه الغذاء وفيه التجارة وفي اعماقه الغوص وعلى شطآنه يغسلون همومهم بل وثيابهم ولقد كان البحر يألف ألفة عادية ان يرى نساء الامارات المحتشمات يترددن على شاطئه ليلا يغسلن ثيابهن وثياب ازواجهن واولادهن في مياهه ولم يعتد ذلك البحر الباقي بقاء الارض ان يرى نساء غير نساء الامارات المستورات المعتزات بسترهن ولكن الزمن لم يعد هو الزمن وانني لأتصور هذا البحر يعجب كل العجب من ذاك الذي يراه على بعض شواطىء الامارات من نساء الشرق والغرب بلا رادع ولا زاجر فيأسف البحر كل الاسف على ما فات من عمره. شباب في المراكز التجارية العامرة الفائرة بكل جنس ولون من الوان الناس ترى شبابا في اعمار الزهور تراهم في أبهى ثيابهم تفوح منهم العطور وتدور منهم العيون وتمتلىء ايديهم (بالموبايلات) الحديثة يمشون مشي الحمائم فهم ليسوا صقوراً تصيد حمائم بل حمائم تتصيد حمائم فتأسف كل الاسف على هذا الشباب الضائع التائه المرفه الذي يهيم على وجهه في المراكز معجبا بثيابه وقصات شعره وتتخيله وقد زالت عنه آثار النعمة وانقلب حال هذا الزمان والمكان كيف سيواجه هذا الغارق في الحياة الباذخة إلى أذقانه بل الى خصلات شعره كيف سيواجه ذلك الانقلاب المتوقع بين لحظة واخرى؟ من أنت أيها الرجل الذي غادرك الزمان فأصبحت تدق نواقيس الخطر وحدك وثلة باقية قليلة ممن لا صوت لهم ولا رأي يسمع هل ذهب زمانك او انت الذي جئت من زمن غير هذا الزمن؟ إنك أنت الغريب حقا فالغربة ليست غربة الارض بل هي غربة النفس والفكر لذلك قال غريب الشعراء أبو الطيب: أنا في أمة تداركها اللهُ غريبُُ كصالح في ثمود