هل جامعة الدول العربية تقود أم تنقاد؟ هذا هو السؤال الأكبر حين يجدّ جِد العرب لمواجهة مصيرهم. فالجامعة حين أنشئت عام 1945 وضع لها قادة العرب آنذاك هدفاً واضحاً هو توحيد العرب، وقال المرحوم عبدالرحمن عزام باشا أول أمين عام لها في حفل تنصيبه: لقد ولدت الجامعة نواة للوحدة العربية. ولم يخالفه القادة وأبرزهم الملك المرحوم عبدالعزيز آل سعود والملك المرحوم فاروق والملك المرحوم فيصل ملك العراق وزعماء المغرب العربي الذين كانوا في المنافي أمثال المرحوم عبدالكريم الخطابي والمرحوم الحبيب بورقيبة والمرحوم علال الفاسي والمرحوم البشير الإبراهيمي طيب الله ثراهم جميعاً. ثم جاءت مرحلة الاستقلال للدول العربية ومعها (ثورات) عسكرية هنا وهناك أتت على رصيد من سبقوهم بالهدم والنكران والنسيان وتنادت تلك الثورات من مصر الى العراق الى سوريا الى السودان الى اليمن بأنه لا صوت يعلو على صوت تحرير فلسطين. فخفضنا اصواتنا منتظرين المعركة بل وخفضنا لهم جناح الذل من الرحمة... ولكن المعركة لم تأت بل وأتت منقوصة أو بتراء من هزيمة الى انصاف انتصارات. ولكن بيت العرب ظل كما هو, قابعاً لأمزجة الأنظمة العربية وأصيبت مؤسسات الجامعة بما أصاب مؤسسات الدول العربية من تصلب شرايين وشلل نصفي ولكن ليس هناك بديل كما قال المرشح الحالي د. عمرو موسى لا لجامعة الدول العربية ولا لهدف الوحدة العربية. تلك الوحدة التي نريدها محافظة على كيانات الدول وخصوصياتها لكنها تتنازل عن بعض سياداتها لمؤسسة وحدوية مرنة حيّة تماماً كمؤسسة الاتحاد الأوروبي. نعم لا بديل. وسنرى هل سينعكس التحول المبارك الراهن في الحالة العربية على تنظيم بيت العرب؟ فالدول العربية ــ رغم بعض الاختلافات ــ شاعرة اليوم بهول ما ينتظرها. وقد تأكد لزعماء العرب وأغلبهم اليوم من القادة المحنكين أو الشباب الطموحين بأن لا مصير لأوطانهم خارج السرب العربي المتكامل. ولعل قمة عمان تعد وعداً كريماً إلهياً لهذه الأمة حتى تتجاوز تلك المسيرة الطويلة في النفق المظلم المسدود. وصادف ان اجتمع هذا الأسبوع قادة الاتحاد الأوروبي الخمسة عشر في عاصمة السويد استكهولم. واقتصر جدول اعمالهم على الحمى القلاعية وتداعياتها والحد من اضرارها بينما سيتداول قادة العرب في الحمى العراقية ــ إذا صح التعبير ــ وهو جرح نازف لم يندمل وملف معقد لم يحل. وأنا ما زلتُ مصراً على ان ما يسمى الحالة العراقية الكويتية لا يمكن أن يتساوى فيه الظالم بالمظلوم حتى ولو عاد ذلك الظلم الى عقد من الزمن. فالاخوة الكويتيون لم يشعروا بعد بالأمان بعد أن ذاقوا الأمرين من الغزو والاحتلال وتشريد الأهل وفقدان الأحباب. وما ضرّ العراق لو أعاد تقييم تلك المغامرة واعتذر وأصلح ذات البين بالفعل لا بالقول... أما أن ننكر وقوع الكارثة ــ وهي عربية قومية شاملة ــ وننادي بطي الصحة دون مصارحة وإعادة نظر فهو في رأيي التأسيس غير السليم للمستقبل العربي وأخطر من ذلك الترويج للمزيد من المغامرات تحت شعارات صوتية مألوفة ومعروفة وغير ذات جدوى. إن العالم العربي يقف اليوم وراء قادته وهم يعقدون قمتهم, قمة الموعد مع التاريخ, ولا أقول كما قال محسن العيني رئيس وزراء اليمن السابق (جريدة البيان 21 فبراير 2001) بأن العرب يعيشون في 22 زنزانة بعضها مضاء ومكيف والآخر بلا نوافذ, كما لا أقول كما قال تقرير وكالة المخابرات الأمريكية عن العرب (23/1/2001) بأن العالم العربي عبارة عن كوكتيل مولتوف ضخم... سينفجر تلقائيا وبدون ريموت لتراكم معضلاته الاقتصادية والاجتماعية. ولا أقول مثلما قال لي شخصياً بمكتبي بتونس حين كنت أتحمل بعض المسئوليات بيتر سيبستيان سفير الولايات المتحدة الأمريكية في الثمانينيات بتونس ثم مسئول ملف الحركات الاسلامية بوزارة الخارجية بواشنطن من ان مصير العرب ليس الخيار بين الاستبداد والديمقراطية بل بين التطرف أو الفوضى. لا أقول شيئاً من هذا لأنني مؤمن بمنظومة من القيم الفكرية على رأسها ان الحضارات الكبرى ــ ومنها العربية ــ تكبو وتغيب وتضعف لكنها تطفو على السطح وتنتصر. وإن رصيدنا من الثروات ــ البشرية قبل الطاقة ــ لهو رصيد عظيم وان مخزوننا الحضاري حافل بالبطولات والاسهامات في حضارة الانسان. وتبقى أول خطوة لنهضة العرب هي تحرير الانسان العربي من الخوف والاستبداد والقهر. فأمة من الأحرار... هي وحدها التي تنهض.