مسألة غريبة وتحتاج الى تفسير. الرئيس الوسيم اللطيف صاحب الغزوات والصبوات كلينتون, خرج من البيت الأبيض فخرج الخير معه. لقد شهدت أمريكا في عهده طفرة اقتصادية ووفرة لم تشهد مثلها من قبل. وبعد أيام من مغادرته البيت الأبيض انكمش الاقتصاد الأمريكي, وتدهورت أحوال البورصات الأمريكية, وأثر هذا التدهور على بورصات أوروبا وامتد منها الى جميع بورصات العالم. وتلبد الجو السياسي بغيوم كثيرة, فقد ساحت العلاقات بين واشنطن وموسكو بسبب قضايا التجسس, وتحول الشرق الأوسط الى تنور يغلي بالنار بسبب غباء شارون وصلفه, وبسبب مساندة وزير خارجية أمريكا لاسرائيل ظالمة أو مظلومة. واشتعل الموقف في البلقان بين مقدونيا وألبانيا, وانتهى شهر العسل بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية الى الدرجة التي هددت فيها كوريا بالعودة الى استكمال برنامجها النووي. والسؤال الذي يحيرني, هل كلينتون حقق كل هذا النجاح لأنه عبقري في السياسة وخبير في الاقتصاد؟ هل حقق هذا النجاح لأنه مجرد رجل مبروك وعلى نياته والناشفة في إيده تصبح خضرا؟ ما زلت أذكر العبارة التي وصف بها بوش الكبير منافسه في المعركة الانتخابية بيل كلينتون. حيث أشار الى كليته قائلا.. إن كليتي تفهم في السياسة أكثر مما يفهم هذا السيد.. وأشار الى كلينتون! والعبد لله يصدق بوش الكبير فهو رجل دولة ممتاز وصاحب تجربة عريضة في السلطة. والأكيد أن كلينتون ليس في مستوى بوش الكبير ولا مستوى الرئيس جونسون ولا يمكن مقارنته بالرئيس كينيدي. ومع ذلك كان عهد كلينتون هو أزهى عصور أمريكا وأكثرها ازدهارا ورواجا. واستطاع التعايش مع روسيا ومع الصين, وحاول حل المشكلة الايرلندية وحاول حسب فهمه وقناعته حل مشكلة الشرق الأوسط, ومد جسور الصداقة مع كوريا الشمالية, في الوقت الذي قضى فيه على البطالة في الولايات المتحدة, وفي أثناء ذلك كله أقام علاقات عديدة مع سيدات كثيرات بعضهن جرجره الى المحاكم, ووقف متهما أمام الكونجرس الأمريكي, وانتهت محاكمته باستقالة خصمه الذي كان يقود الحملة ضده واعتزاله السياسة. هل حقق كلينتون كل هذه الانجازات بسبب عبقريته السياسية وخبرته الاقتصادية وثقافته الرفيعة؟ بالتأكيد ليس هذا هو السبب. ولكن هناك من بين خلق الله بعض الذين يمشي التوفيق في ركابهم, وتفتح في وجوههم الأبواب المغلقة ويسيل الخير من بين أصابعهم كالعرق. من هذا الفريق من بني البشر كان الزعيم مصطفى النحاس. وفي المقابل هناك بشر أعوذ بالله - اذا فاتوا على النيل جف. واذا مروا على جنة خضراء تحولت الى صحراء, حتى لو كانوا عباقرة في السياسة وخبراء في الاقتصاد وأساتذة فى فن الحكم من بين هؤلاء الجاموسة البشرية شارون, الذي جاء الى السلطة وانقطع الخير كله, سواء في اسرائيل أو في مناطق السلطة الفلسطينية. وهو يوشك أن يشعل النار في المنطقة كلها, ولكنه لخيبته الثقيلة لا يدرك أن الذين يشعلون النار هم أول من يحترقون بها. ونترك الجاموسة البشرية في وكستها ونعود الى الولد المبروك كلينتون. والعبد لله واثق أن الأمريكيين الذين حضروا عهده سيظلون يذكرونه الى آخر العمر. وسيتذكرونه ويحنون الى أيامه. كلما نزلت بهم ضائقة أو مرت بهم شدة. ويبقى بعد ذلك أن الفرق بين الرجل المبروك والرجل الجاموسة أن المبروك تضاء له الأضواء وتعزف له الموسيقى, بينما الرجل الجاموسة تصيبه الحمى القلاعية ويذبح ويدفن تحت عشرات الأطنان من الأتربة والرمال! الدكتور المؤرخ المؤرخ الكبير الدكتور عبدالعظيم رمضان تعرض في مقالة بجريدة (الوفد) في عدد الاثنين 29 مارس الماضي, عن ممارسات أجهزة الأمن في أحداث 18 و19 يناير, وهي الأحداث التي وصفها البعض بانتفاضة شعبية, ووصفها الرئيس السادات بأنها انتفاضة حرامية. واتهم الدكتور عبدالعظيم رمضان أجهزة الأمن بأنها سارعت بتوجيه الاتهام الى الشيوعيين في هذه الأحداث دون سند حقيقي, وهو الأمر الذي دفع السادات الى تصديق أجهزة الأمن التي صورت له خيانة اليسار للتحالف, وسعيه لاقامة دكتاتورية البروليتاريا. وهو أمر غريب أن يكون الدكتور عبدالعظيم رمضان مؤمنا بأن السادات كان ديمقراطيا, بينما كانت أجهزة الأمن يمينية ومرتبطة بمصالح رجعية. ويخرج الدكتور عبدالعظيم رمضان بنتيجة وصل اليها بناء على تحليله السابق, بأن أجهزة الأمن تصرفت بحرص منها, فاستصدرت من النيابة قرارات بالقبض على 551 من العمال والطلاب والمهنيين والكتاب والصحفيين, كما سارعت أجهزة الأمن بتنحية الأستاذ لطفي الخولي من رئاسة تحرير (الطليعة), وتم استبدال الكاتب الكبير المرحوم صلاح حافظ عن رئاسة تحرير (روز اليوسف) وحل محله السيد عبدالعزيز خميس, كما جرى التغيير في مواقع أخرى وتم ابعاد اليساريين والمشتبه فيهم. ويقول الدكتور عبدالعظيم رمضان, ولم تدر أجهزة الأمن وهي تدبر الاتهام لليسار بأنها كانت تمهد لضرب اليسار واخراجه من التحالف الوطني, إنها تمهد الطريق لكارثة وطنية كبرى. ولا أعرف بالضبط ما الذي يقصده الدكتور عبدالعظيم رمضان. هل يقصد أن الرئيس السادات كان يتمنى أن يحافظ على حبه ووده لليسار, لولا جهاز الأمن هو الذي فبرك الاتهامات وأجبر السادات على طرد اليسار من التحالف الوطني, والعبد لله لا يعتقد أن مؤرخا كبيرا في حجم الدكتور رمضان من السهل عليه أن يخطئ في تفسير حقيقة الأوضاع التي كانت سائدة في مصر تلك الأيام. واذا كانت أجهزة الأمن قد فبركت الاتهام لليساريين, فقد كانت هذه رغبة السادات وترجمة أمينة لحقيقة قناعاته.. فقد كان يرحمه الله معاديا بضراوة لليسار عموما, وموقفه هذا لم ينكشف فقط بعد أحداث 18 و19 يناير, ولكنه بدأ بأحداث 15 مايو, ولم يكن خصومه الذين أطلق عليهم وصف مراكز القوى إلا ممثلين لليسار الناصري. والقضاء عليهم هو الذي فتح الطريق أمام هذا الطراز من الرموز أمثال الحاج رشاد بتاع الاسكندرية وعصمت السادات وتوفيق عبدالحي وغيرهم. حتى اخراج الاستاذ محمد حسنين هيكل كان عملية اجتثاث لكل أنواع اليسار, لكي يخلو الجو لأمثال الدكتور محمود جامع وكوكبة المفكرين إياهم الذين يتبنون المزاعم التي تقول إن حادث المنشية كان من تدبير عبدالناصر. والعبد لله يعتقد أن الدكتور المؤرخ عبدالعظيم رمضان يعرف هذه الحقيقة أكثر مني ومن غيرى, ولذلك أتوقع أن يتحفنا بكتاب يؤرخ فيه لتلك الفترة التي مرت في تاريخ مصر كالكابوس.