سبق وان كتبت موضوعا في (استراحة البيان) تحت عنوان (ماذا نريد لمستقبل دبي), وموضوعا آخر عن استراليا ومدى التقدم والازدهار اللذين وصلت إليهما بعد ان كانت قارة مجهولة الهوية!! ورغم انه لا يوجد شيء يربط بين الموضوعين, لكني أعتقد ان هناك أمرا يهمنا جدا أردت أن أتطرق إليه وهو موضوع (التركيبة السكانية) في دولتنا, وأردت أن أعطي أمثلة واضحة عن الدول الأخرى قبل الدخول في موضوعنا. وأول سؤال يتبادر إلى ذهننا عن استراليا مثلا هو: أين ذهب سكانها الأصليون؟ لماذا اندثروا؟ ولم يبق منهم إلا مجموعات صغيرة منتشرة في أنحاء القارة أغلبهم يشتغل في فرق تقدم رقصات في الفنون الشعبية!! ونادرا ما تجدهم في السلطة أو في القيادات العليا للدولة!! وإذا عدنا إلى أصل الموضوع نجد انه عندما تدفق آلاف البشر من مختلف الألوان والأجناس على هذه القارة استبشر المواطنون الأصليون خيرا بقدومهم وفرحوا بالنهضة الشاملة التي شهدتها قارتهم, إلى ان وجدوا أنفسهم بعد أربعمئة سنة غرباء لا حيلة لهم!! هذا ما حدث في استراليا. أما في آسيا فخير مثال على التركيبة (سنغافورة), التي نتغنى بها وبازدهارها الاقتصادي, مع انها أصغر دولة في شرق آسيا, والسؤال هنا هو: من هم سكانها الأصليون؟ وأين هم الآن؟ أما الاجابة فهي: سكان سنغافورة الأصليون هم المسلمون إذ انها كانت جزءا من ماليزيا تتبع ولاية (سلطان جوهر) وهي ولاية في جنوب ماليزيا وذلك حتى عام 1819 عندما تم توقيع معاهدة مع الانجليز بدأت بموجبها فكرة الاستيطان الجديد, ومع دخول الاستعمار إلى جنوب شرق آسيا دخل إلى سنغافورة مجموعات من الجنسيات المختلفة من الدول المجاورة, وتم استيطانهم فأصبحوا هم الأغلبية والحكم لهم وأصبح سكانها الأصليون من المسلمين هم الأقلية لا حيلة لهم ولا دور وهم يمثلون حاليا حوالي 12% والغريب في الأمر ان الحكومة السنغافورية اتخذت قرارا مؤخرا بعدم تجاوز عدد الأجانب أكثر من 40% من مجموع السكان!! هذه المقدمة كان لابد منها قبل الدخول في موضوع التركيبة السكانية في بلادنا وامكانية تخطي عقباتها, علما بأن دولة الامارات والحمد لله ليست كسنغافورة أو استراليا لان لديها القاعدة الثابتة بفضل انتمائها العربي والاسلامي والخليجي. مع ذلك لابد من أخذ الاحتياطات الكافية من الآن لان موضوع التركيبة السكانية يشغل بال كل مواطن في كل المجالس وعبر الصحف ووسائل الاعلام, ومشاركتي في هذا الموضوع من خلال (استراحة البيان) ليست إلا استكمالا للموضوع السابق (ماذا نريد لمستقبل دبي), وفي رأيي المتواضع ان الوسيلة الوحيدة للحد من جلب واستقطاب الاعداد الهائلة من الأيادي العاملة هي التخطيط السليم, وليس الشعارات وان كان لهذه الأخيرة دور مهم إلا انها تبقى استكمالا للعمل الجاد والتخطيط السليم. وعلينا ادراك ذلك حتى لا يضر بمصلحتنا, واضعين في الاعتبار النمو الاقتصادي الذي تشهده الدولة, وسياسة الانفتاح الخارجي في مجال التنمية والاقتصاد. وأؤكد هنا اني لست ضد الاستعانة بالأيادي العاملة الأجنبية الضرورية للتنمية, لكن علينا ادراك خطورتها ان زاد الوضع عن الحد, وأصبح مثل هؤلاء العمال مشكلة والعاطلون منهم يشكلون عبئا في الوقت الحاضر وخطرا في المستقبل. ومما لا شك فيه ان فرض بعض الأنظمة والقوانين في هذا الخصوص قد تضر بمصالح بعض الأفراد أو المجموعات الا ان مصلحة البلد ومستقبل الأجيال يتطلب منا خلق توازن بين التنمية الاقتصادية والتركيبة السكانية, لذا لابد لنا من التفكير الجاد في هذا الموضوع ومناقشته للوصول إلى حل يرضي الجميع ويواكب تطورات عصرنا هذا مع عدم الاضرار بهويتنا: أولا: علينا وضع خطة خمسية للتقليل من جلب الأيادي العاملة من الخارج ان لم يكن بالامكان ايقافها ووضع برنامج لها وابرازه تحت شعارات واضحة المعالم, مع توعية اعلامية قوية وعدم تخطي ذلك تحت أي ضغط ولأي أسباب. ثانيا: فرض ضرائب تصاعدية على الشركات والمؤسسات والأفراد الذين يجلبون ويتسببون في زيادة العمالة العاطلة بعد وضع السقف الأعلى لكل مهنة مع وضع نظام رقابي صارم عليهم حتى لا يتلاعبون بذلك مع اعطاء كل الصلاحيات للجهات المعنية بالمراقبة, واعداد حملات تفتيش في جميع أنحاء الدولة للقضاء على المخالفين والمتسيبين, لان البعض أصبح يستغل الرخص التجارية والصناعية والمهنية لجلب العمالة والمتاجرة بها. ثالثا: وضع حوافز وجوائز وتكريم الشركات والمؤسسات التي توظف أكبر عدد من المواطنين على غرار جائزة دبي للجودة. رابعا: اعداد دراسة يتم بموجبها تحديد الأسر التي يحق لها جلب الخدم وبحد أقصى وربط ذلك بدخل الأسرة سواء كانت مواطنة أو أجنبية, وفرض ضرائب تصاعدية في حالة الزيادة. ولتطوير قطاع الخدمات وبناء كوادر مواطنة تخدم الوطن في المستقبل علينا التركيز على التعليم لانه هو اللبنة الأساسية للبنية الاقتصادية لكل بلد لذا علينا الاهتمام به وذلك: بتعديل المناهج التعليمية في الدولة لان التعليم أساس كل عمل ناجح وتعتمد عليه جميع خططنا المستقبلية وبدونه لا نستطيع الوصول إلى أهدافنا, إذ علينا دعم وتقوية المدارس الصناعية ورفع مستوى كفاءاتها وادخال التكنولوجيا على مناهجها حتى تصل إلى مستوى الكليات المهنية وزيادة اعدادها لكي تغطي كل أنحاء الدولة مع تشجيع وتقديم حوافز للشباب للانخراط في هذه الكليات حتى لو تطلب ذلك مشاركة المؤسسات العامة والخاصة من خلال تبني مجموعة من الطلبة ودعمهم, وان تطلب الأمر انشاء صندوق خاص على غرار صندوق زايد للاسكان, لمساعدة هؤلاء الطلبة براتب شهري لمتابعة دراستهم ولحين توفير العمل الملائم لهم بعد تخرجهم. وأخيرا فإن المؤشرات تدل على ارتفاع عدد العمالة الوافدة العاطلة يوما بعد يوم, وعلينا التفكير الجدي في ذلك حتى لا تتفاقم المشكلة لانها من أخطر وأصعب الظواهر التي ستضر بمستقبل الأجيال القادمة.