بداية يمكننا القول إن قمة القاهرة كانت تعتبر فاتحة خير بنظر الساسة والجمهور, قياساً بالوضع العربي المتردي الذي يحمل بين ظهرانيه الكثير من النزاعات و الخلافات, التي كانت ولا تزال تنذر بالكثير الكثير ، من التداعيات الداخلية والإقليمية والدولية. وقد رأى البعض في تلك القمة بأنها نهاية للمحنة والمنعطف الحاد الذي مس حياة الأمة العامة والخاصة وعلى كل المستويات دون استثناء, وبداية لملمة الشمل العربي وأشلائه المتناثرة في كل الاتجاهات, نحو مزيد من اللحمة والالتفاف حول سياسة واحدة وموحدة, هدفها الخروج بالأمة من محيطها إلى خليجها من الظلمة الداكنة التي تتخبط بها, إلى ساحة الضوء لتعلن ولادتها من جديد. بينما رأى البعض الآخر بأن هذه الاجتماعات والمؤتمرات ليست سوى خطابات سياسية مكرورة, نعيشها بملء أعصابنا ومشاعرنا عبر شاشات التلفزيونات وعدسات المصورين, ونقرأها من خلال المانشيتات العريضة على صفحات الصحف الأولى, لنعود بعد البيانات الختامية وما تحمله من تسويفات, مرة أخرى إلى سباتنا الشتوي الذي على ما يبدو طال لكن هذه المرة من دون شتاء أو ربيع يذكر أو يعاش إن كان بقسوته أو بحسنه. لكن بعيداً عن الرؤى المتفائلة والمتشائمة يمكننا القول انطلاقاً من لغة الأرقام رغم مقت البعض لهذه اللغة, باعتبارها تحمل الكثير من التطرف, إن كان بدلالاتها ومعانيها أو بحدتها وقسوة كلماتها في أغلب الأحيان, أن ما اتفق عليه في مؤتمر القاهرة الذي اعتبر بجد نقلة نوعية في حياة الأمة, لانه على أقل تقدير جمع تحت أسقفه كل النصاب العربي من دون غياب يذكر, لم ينفذ منه إلا النذر اليسير واليسير جداً. فقد توقعنا جميعاً وبكل الأمل الممزوج بالتفاؤل, بأن ما اتفق عليه لجهة دعم الانتفاضة سيعزز موقف الشعب الفلسطيني المنتفض, لدرجة وصل البعض في تفاؤله بأن هذه القمة ستحمل للمواطن العربي الكثير من المفاجآت السعيدة والسارة, التي ستؤسس على أقل تقدير إلى رحيل المستوطنين الإسرائيليين من الضفة والقطاع, وستؤسس لقيام الدولة الفلسطينية, وأن الإعلان عن ذلك, أصبح قاب قوسين أو أدنى, وأن القضية برمتها مجرد عامل وقت ليس إلا. منطلقين من أن الأمة بقضها وقضيضها قد أجمعت على كلمة واحدة مؤداها استخدام كل الوسائل من أجل محاصرة اسرائيل إقليمياً ودولياً, وبما يؤدي إلى فرض شروط وقرارات الشرعية الدولية, من خلال استخدام مقدراتها الكبيرة والمؤثرة على المستوى العالمي وليس الإقليمي وحسب, وعلى كل المسارات وكل الجبهات بلا استثناء. فعلى ما يبدو أن الإجماع العربي الذي نتج عن قمة القاهرة, وما رافقه من بطء شديد في تطبيق القرارات التي اتفق عليها, بدلاً من أن يفعل فعلته, نبه الطرف الإسرائيلي إلى ضرورة ترتيب البيت الإسرائيلي من الداخل بحيث أن اسرائيل منذ النشأة المشؤومة لم تحظ بإجماع كما حظيت به حكومة شارون هذه الأيام, وأعطاها الكثير من المبررات والمسوغات السياسية على المستوى العالمي, بأن العرب لا يزالون مصرين على تدميرها. على الرغم من الخطاب العربي ليس السلمي وحسب, بل والمتساهل جداً الذي اقتصر على الدعم المالي وتشكيل الصناديق المليارية, الذي لم يصل منه حتى هذه اللحظة إلا فتات الفتات, والدعم الدبلوماسي المعروف النتائج سلفاً خاصة ونحن ندرك الانحياز الكلي لإسرائيل في أروقة الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات والمؤسسات والدوائر الدولية المسيطر عليها أمريكياً, وأن اسرائيل فوق ليس الاعتبار بل وفوق القوانين والأعراف الدولية. أي أننا في اللحظة الذي نستخدم فيه الخطاب الدبلوماسي المرن, تستخدم اسرائيل أعلى وأشد ما عندها من وسائل القمع والإرهاب والصلف والتطرف ضد الفلسطينيين, وغيرهم وهذا ما تبدى واضحاً في الخطاب السياسي العام للحكومة الإسرائيلية, التي بدأت تهدد بالوطن البديل وضرب السد العالي والعراق ولبنان وسوريا إلى آخر ذلك من تهديدات ما أنزل الله بها من سلطان. أي بكلام آخر أن القمة العربية في القاهرة تختلف كل الاختلاف عن القمة المزمع عقدها في عمان يومي 27 و28 الجاري, فقمة القاهرة كانت قمة الإجماع العربي التي تمتلك عوامل مهمة جداً, وأهمهما عاملا الزمان والمكان, والمساحة الواسعة التي تسمح بالتحرك السياسي والدبلوماسي الفاعل, في ظل مرحلة كانت تعيش حكومة ايهود باراك آخر أيامها بسبب جملة الأزمات التي ألحقتها انتفاضة الأقصى الفتية بها. بينما قمة عمان التي سميت سلفاً بانتفاضة الأقصى, تنعقد في ظل مرحلة تشهد فيها السلطة الفلسطينية, حالة من الانحسار والتفكك, خاصة وأن شارون يسعى بكل ما يملك إلى إنهاء وجود هذه السلطة, باعتبارها ثمرة من ثمار اتفاق أوسلو الذي لم يوافق عليه أصلاً, لا بل اعتبره تنازلاً خطيراً عن الحقوق الإسرائيلية التاريخية, وهي بالأساس كما يدعي مجرد (اختراع من اختراعات حزب العمل الذي يرفضها بشدة متناهية النظير) رغم الشراكة التي تجمعه في حكومة واحدة مع هذا الحزب. بالإضافة إلى أنها, قمة عمان, ستنعقد في مرحلة أصبحت فيها كل الخيارات مفتوحة على كل الاحتمالات من قبل حكومة شارون, ضاربة عرض الحائط ما يسمى عند العرب راهناً بلغة العقل, واستبدال هذه اللغة الجذلة والمرنة, بلغة الرصاص وفوهات البنادق المسلطة على كل الجوار الجغرافي من دون استثناء. رغم رسائل السلام والمحبة الذي سيستبق قمة عمان بها, لمحاولة الالتفاف مسبقاً على قرارات القمة المزمع عقدها في نهاية الشهر الجاري, كمقدمة لإبلاع الطعم الشاروني المسموم للعرب جميعاً, ومن ثم يبدأ في تنفيذ مخططاته الجهنمية التي بدأت تتضح معالمها, في التقدم نحو أراضي السلطة في غزة بهدف تفتيتها, وبناء المزيد من المستعمرات في جبل أبو غنيم في القدس الشرقية. أما بالنسبة للمسارات الأخرى فهو لا يعترف أصلاً بوجود مشكلات مع هذه الدول, خاصة سوريا, وأن المشكلة تتطلب من الطرف الآخر التوقيع على اتفاقيات سلام مقابل السلام باعتبار الأراضي التي تحتلها اسرائيل, هي أراض اسرائيلية بالأصل, وأعني بذلك مرتفعات الجولان المحتلة, وأن كل ما تقوم به سوريا, مجرد دوافع عدوانية ضد الجارة الطيبة اسرائيل. انطلاقا ً مما تقدم يمكننا القول اننا بدأنا نعيش حالة لا تسمح لنا بالتسويف على الإطلاق, وأن عامل الزمن بدأ يتجاوز أحلامنا, لان الزمن ليس لنا وحدنا, فهو الزمن بكل تأكيد سيصب في مصلحة كل من يسعى جاهداً وجاداً لاستثماره بشكل خلاق, وليس لمصلحة من يعمل على تبديده, أو العبث بلحظاته باعتبارها عابرة. ومن هذا المنطق بالذات وبعيداً عن المغالاة, التي تقول بأن قمة عمان مهمتها حل كل المشكلات العربية دفعة واحدة, بل يمكننا القول بأن قمة عمان تشكل مفصلاً مهماً في التاريخ العربي, وأن فشل هذه القمة يعني فشل كل المشاريع العربية المشتركة على كل المستويات, لان هذا الفشل سيفقدنا الإرادة المستقلة إلى فترة زمنية غير منظورة, أو غير محددة على الإطلاق, وهذه المرة ليس من خلال جيوش غازية تقتحم أسوار الأمة وحدودها بل ستقودنا من الخارج بالريموت كنترول. وأن المطلوب من قمة عمان ليس لغزاً محيراً, أو طلاسم يصعب علينا فك رموزها, بل هي واضحة تتحدد بالتالي: أولاً: العمل على دعم الانتفاضة بما يؤمن لها ديمومتها, بغية إسقاط كل مخططات شارون الجهنمية, ليس باعتبارها مشهداً مأساوياً كما يحاول البعض تسويقها, بل باعتبارها فعلاً وطنياً وقومياً مقاوماً, لكل أشكال التوسع والاحتلال والغطرسة الإسرائيلية, واستحضار كل الوسائل المتاحة, بما في ذلك خيار استخدام القوة الرادعة إذا دعت الحاجة, أو على أقل تقدير التلويح بهذا الخيار في وجه حكومة شارون. وهذا يتطلب مواقف جادة على المستويين الوطني والقومي, من كل من يدعم اسرائيل على حساب الحق العربي. ثانياً: إعادة العراق إلى الحظيرة العربية والعمل الفوري لرفع الحصار عن شعبه المظلوم, حتى تعود حالة التوازن المختلة لمصلحة أعداء الأمة, وبما يجعل اسرائيل تعيد حساباتها جيداً في ظل أي تصرف قد تقوم به ضد هذا البلد أو ذاك, وحتى يتسنى لنا بناء أو انتهاج استراتيجية متوازنة, على الجبهة الشمالية المختلة أصلاً لصالح اسرائيل, بفعل إخراج العراق كعمق استراتيجي لها. ثالثاً: محاولة ترميم البيت العربي من الداخل بما يؤمن علاقات أخوية صادقة, بعيداً عن الارتهان للمواقف الخارجية أياً تكن هذه المواقف والقوى التي تقف خلفها, والالتزام الصارم بالتعهدات التي سيقطعها الأعضاء على عاتقهم, واعتبار أن ما يتفق عليه في قمة عمان انطلاقاً من روح المسئولية العالية, هو بمثابة ميثاق شرف بين كافة الأعضاء. رابعاً: ضرورة الخروج بالجامعة العربية من حيز إطلاق الشعارات الرنانة, إلى حيز تنفيذ السياسات والاستراتيجيات التي لا تزال حبيسة أدراجها, واحترام كل مقرراتها, بصرف النظر عن المصالح الشخصية, أو الوطنية الضيقة بالنسبة لهذه الدولة أو تلك, وبما يعبر عن تطلعات كل العرب باللحاق بالركب العالمي. وختاماً يجب التأكيد على ضرورة طرح كل القضايا العربية على طاولة المؤتمرين في عمان, بذات الأهمية, حتى لا نبقى نرحل أزماتنا القاتلة من خلال الكثير من الحجج والمبررات الواهية, ونبقي البيت العربي على أمراضه, لنعود إلى القمة القادمة نحمل ذات الأمراض والأزمات والصراعات الداخلية التي لا معنى لها, ونصبح كمن يجتر ذاته, ليصل بعد ذلك إلى ضرورة البحث عن الذات بدلاً من تقديم الحلول لتلك الأزمات. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق