الكتب والمقالات التي نشرت عن العراق منذ أغسطس 1990 تاريخ احتلال الكويت وحتى اليوم, إذا ما قارناها من حيث الزمن بما كُتب عن الحرب العالمية الثانية فإنها تفوقها سواء من حيث العدد أو الكثافة, وما زالت هذه الكتب والمقالات تتدفق علينا من المطابع العربية في أقلها, ومن نظيرتها الأجنبية في المدى الأكثر. فسبعة أشهر من الاحتلال وعشر سنوات بعد التحرير شهدت ما فاق ما كُتب حول تلك الحرب العالمية الضروس في منتصف القرن الماضي واستمرت لست سنوال طوال (!) في الوقت الذي لا تحظى فيه مؤتمرات القمة العربية في وسائل الإعلام العالمية إلا بالنزر اليسير من الإشارات العابرة المتناثرة هنا أو هناك. لذا فإن الوضع العراقي, أو (الحالة العراقية), حالة أصبحت دولية لعدد وافر من الأسباب تستقطب العامة قبل الخاصة, حيث باتت حالة خاصة تستنفد طاقات عديدة ليس أقلها طاقة وحيوية واقتصاد الشعب العراقي نفسه. الملف الساخن واليوم يصادف عقد مؤتمر القمة العربي في عمّان, الذي نشطت الدبلوماسية العربية في الأسابيع الأخيرة للتحضير له, والملف الأكثر سخونة ليس ما اصطلح على تسميته بقضية الشرق الأوسط أو الصراع العربي ــ الإسرائيلي, وإنما هو ملف الحالة العراقية, التي تكاد تكون مزمنة في التداول في محيطها العربي, كما هي حالها في المحيط الدولي. واضح مما ظهر حتى الآن أن العراق الرسمي يريد من القمة العربية ورقة تقول ــ مباشرة أو مداورة ــ إن العقوبات المفروضة على العراق بسبب احتلاله للكويت هي عقوبات حان الوقت كي تُرفع. والعراق الرسمي يعرف أن هذه الورقة, إن خرجت من مؤتمر القمة العربي في عمّآن, لا تعني الشيء الكثير على أرض الواقع. لكنه فقط يريد استخدامها في المحافل الدولية للتلويح بأن موقفاً عربياً موحداً يقف خلف مطالب العراق برفع الحظر, لعل ذلك ــ كما يطمح هو ــ يكون مدخلاً للحديث الدولي عن رفع العقوبات. مراجعة العقوبات ولقد أصبح من المعروف عالمياً اليوم ــ خاصة بعد زيارة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول إلى المنطقة قبل أسابيع ــ أن العقوبات بشكلها الحالي خاضعة للمراجعة, بحيث تُصبح أقل تأثيراً في الشعب العراقي وأكثر تضييقاً على النظام الحاكم (حيث هو المُراد بالعقوبات). والفرق بين ما يُطالب به العراق وبين المراجعة التي ذكرها باول أن الأخيرة تعني أن تُصبح العقوبات انتقائية, بينما الأولى يُراد منها أن يكون الرفع مُطلقاً, وهو أمر لا تقدر عليه القمة. والدوافع لذلك كثيرة منها أن العراق يعقد مقارنة هنا ــ وهي مقارنة غير دقيقة ولا واقعية ــ بين موقف الأفارقة عندما اتخذوا قراراً بدعم رفع الحصار عن ليبيا وبين سلسلة الأحداث التي تمت بعد ذلك. لكن المؤكد أنه في الحالة الليبية لم يكن قرار القمة الأفريقية هو المحرك والدافع لرفع الحظر عن ليبيا, بل كان المحرك الرئيسي هو اتفاق عُقد بين ليبيا من جهة وبريطانيا والولايات المتحدة من جهة ثانية يقضي بتسليم المتهمين بتفجير طائرة (بان أم) فوق قرية لوكيربي الاسكتلندية. لقد كان قرار القمة الأفريقية هو بمثابة التغطية السياسية التي استخدمتها ليبيا للترويج لموقف سياسي بعد ذلك. أما الدوافع العراقية الأخرى لطلب شهادة الدعم هذه, فتتمثل في التبرير الداخلي الذي أصبح معروفاً بأنه يضغط على متخذي القرار العراقي, بعد أن أخذت تتآكل قواعد التأييد التقليدية له داخلياً بسبب المعاناة الضارية التي يقاسيها الشعب العراقي من جراء السياسات المضطربة التي يتبعها هذا النظام. فهذا القرار يشكّل ما يمكن استخدامه, إن صدر, ذريعة تؤكد للجبهة الداخلية العراقية, أن ما اتخذ من قرارات سياسية وعسكرية عدوانية منذ عشر سنوات بما فيها الاحتلال لدولة جارة مسالمة يحتمل الحق, وسيكون الدليل أن قمة عربية قد ساندت رفع نتائجه الكاملة عن كاهل المتسبب, أما الدافع الثالث فهو استخدام هذه الورقة سياسياً وإعلامياً ــ وربما قانونياً ــ والسير بها في دهاليز السياسة العالمية وأروقة المنظمات الدولية على أنها تأييد عربي شامل للمطالب العراقية, لجهة الرفع الكامل للحظر بدلاً من الرفع الانتقائي لمصلحة الشعب العراقي. هذه بعض الدوافع التي جعلت الدبلوماسية العراقية في الأسابيع الأخيرة تنشط في محاولة لتسجيل نصر دبلوماسي في القمة العربية المنعقدة اليوم, معتمدة على ما حققته في القمة الإسلامية في الدوحة, ومنطلقة إلى ما تسميه هدفاً لها وهو (تآكل العقوبات الدولية) وهي تستخدم في مسارها ذاك مجموعة من الأدوات منها استغلال الشعارات القومية مثل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية, ومنها الإغراء الاقتصادي, مثل السماح لدول بعينها بعقد صفقات من خلال صندوق (النفط مقابل الغذاء), ومنها إعلامية ونفسية, حيث يستغل النظام العراقي الموقف العربي العام من سياسة الولايات المتحدة تجاه ما يحدث في الأرض المحتلة. هذه الحزمة من الشعارات والضغوط الموظفة أو التي تعتقد بغداد أنها يجب أن توظف لمصالحها, خاصة أن الموقف التاريخي القائم يقدم واحدة من الفرص القليلة لتسجيل ورقة رسمية من قمة عربية في الاتجاه الذي ترغب فيه دبلوماسية العراق لتحقيق الخطوات الأساس للتأهيل عربياً وبعد ذلك دولياً, كما لم يأل النظام جهداً بالطبع في توظيف جوع العراقيين وتردي وضعهم الاقتصادي, خاصة في المناطق التي يسيطر عليها في الجنوب والوسط لتقديم الدليل على وجوب استخلاص قرار بذلك المعنى الذي يريد. هذا الموقف كله يفسد حقيقة المراجعة الدولية المعلنة, وهي محاولة لاستباق القرارات الدولية, لذا فإن الأيام التي سبقت انعقاد القمة شهدت ردود فعل هستيرية من الإعلام الرسمي العراقي ضد جيرانه, استخدمت فيه أقبح الألفاظ. دورية القمة العربية القمة العربية المنعقدة ليست قمة عادية, فبعد جهد سياسي وقانوني استطاع العرب أن يقننوا لعقد القمة العربية عندما وافق وزراء الخارجية العرب في سبتمبر 2000 على أن تعقد قمة دورية لجامعتهم العريقة, بعد أن كانت القمة لا تعقد إلا تلبية لداع ظرفي, أو لسبب طارىء, بحيث كانت تنعقد ثم تنفض, دون أن تحدد ــ في الغالب ــ موعداً قادماً لعقدها. ولقد راوح العرب في اجتماعات القمة السابقة الثلاثة والعشرين (لم يتفق على ما إذا كانت قمتا فاس 81 و82 هما قمة واحدة أم قمتين) ولكن القمم العربية, منذ قمة أنشاص في مصر سنة 1946 إلى قمة القاهرة في أكتوبر 2000, كانت كلها تنكب على البحث في فكرتين (وحدة الصف ووحدة الهدف), وكانت القمم العربية في الغالب تعقد عندما يواجه العرب بمتغيرات أو تهديدات تُنذر بعواصف عاتية, تستدعي موقفاً عربياً موحداً. وفي أغلب القمم كان الموضوع الفلسطيني هو الأساس, ثم تطورت دعوات القمم إلى النظر في العالق بين العرب من اقتتال وحروب نشبت هنا أو هناك, كان آخرها بالطبع هو الاحتلال العراقي للكويت, مروراً بالحرب الأهلية اللبنانية والاقتتال الفلسطيني في الأردن. لم تكن تخلو قمة من القمم العربية, إلا فيما ندر, من مواجهة خلافات عربية ــ عربية, بعضها مستحكم وبعضها الآخر قابل للإرجاء ولكن ليس للحل, كما لم تكتمل قمة عربية حتى الآن بجميع الحضور على مستوى القمة إلا أيضاً فيما ندر, فقد تخلف عنها البعض احتجاجاً ولإظهار عدم الموافقة على المطروح في جدول الأعمال, والقمة الحالية ليست استثناءً, فهي تُعقد والبعض عنها غائب, كما ستنصب جهودها على البحث في ملفين: الأول هو وصول شارون لرئاسة الحكومة الإسرائيلية في ظل أوضاع صعبة للغاية يعاني منها الفلسطينيون, والثاني ملف العلاقات العربية ــ العربية غير السوية, والتي تمثلها بصورة خاصة التهديدات العراقية الموجهة للكويت من بغداد. أخطر ما يمكن أن يحدث أن يقرن الملفان معاً باتجاه ربطهما كليهما بالخارج والقوى الكبرى, وفي ذلك تكون القمة قد سمحت بتمرير الصالح مع الطالح. كل ما سوف نراه من حولنا غداة هذا اليوم الصاحي الضاحي في عمّان من وفود وحشود ومشاورات أنها لن تصل إلى نتائج حاسمة, وهو الأمر الذي يعود إلى أساس وقاعدة أصبحا سمة عربية, وهي أن المجتمعين مختلفون على معنى الصالح ومعنى الطالح. وعندما تختلف المفاهيم يغيب الانسجام وتتضارب المآرب, فلا يعود الفارق واضحاً بين ما هو مصلحة للشعوب العربية مجتمعة, وما هو مصلحة ضيقة تخص البعض دون الآخرين, حيث تتغلب المجاملة ويتبادل المجتمعون الابتسام, من أجل تسويف ما هو مطروح وعاجل إلى لقاء آخر جديد في المستقبل. ربما يعتقد البعض أن الزمن كفيل بحل ما لا يحل الآن, وهكذا تصبح الأمور الدورية ــ كالاستثنائية ــ نتيجة للحظة الراهنة, التي لا يفكر أحد في تجاوزها! * أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ــ الكويت