كان اجتماعا سياسيا امتلأت قاعته بالمصطلحات والمفاهيم والآراء وظلت تتقافز في جنباته كلمات من العيار الثقيل: العولمة.. التخطيط.. التنمية المعتمدة على النفس.. تكنولوجيا المعلومات ، (ولابأس من أن يتردد معها مرادفات الانجليزي لزوم الشطارة) الى آخر ما تحفل به بضاعة المثقفين من عبارات أغلبها مترجمات لا تزال تتسكع على أبواب العقل العربى يسمح لها أو لا يسمح لها بالدخول. وكان المتكلم المحاضر في هذا الاجتماع ــ بعد إذنك ــ هو الفقير كاتب السطور.. ثلاث ساعات قد تقل وقد تزيد من الشد والجذب الفكرى العقائدى ولم يعد عند الحاضرين في الصبر فضلة ولا عاد في القوس منزع كما يقول المثل العربى القديم. وعلى عادة كل القوّالين أو المحاضرين.. يتحلق من حولك البعض وأنت في طريق الخروج.. بعضهم يدلي برأى لم يتح له رغم الساعات الثلاث أن يبديه وبعضهم يستوضح شيئا.. عجز المحاضر الهمام عن أن يوفيه حقه من الشرح أو التفسير والبعض الآخر يتصادف عرضا أن يكون مثلك في طريقه الى الخروج الى عرض الشارع حيث الهواء أنقى في ذلك المكان وسط القاهرة وقد بدأت نسماته تشف وترق مع بشائر الربيع. وسط هذه الحلقة التى احدقت بالمتكلم.. لمحتها فتاة ربما جاوزت الخامسة والعشرين بقليل.. تقاطيعها المليحة تعلوها سمرة نبيلة وديعة أعرف أنها مستقاة من أقصى جنوب مصر.. الأقصر.. النوبة.. أسوان وحتى مشارف السودان.. كنت قد لمحتها وقد دخلت قاعة الندوة متأخرة بعض الشئ.. واكتفت بالجلوس في المقاعد الخلفية, دون أن تشارك في مناقشات العولمة.. والجلاسنوست وديمقراطية المنتجين وسائر المصطلحات التى كانت تتطاير مثل خفافيش غير مرئية في جنبات قاعة الكلام. وقد ظننتها تطرح سؤالا أو تضيف تعليقا حين بادرتنا بالحديث بعبارة واحدة محددة تقول: ــ بحيرة ناصر. ــ عفوا..؟ ــ بحيرة ناصر. ــ ما علاقة حديثنا عن الديمقراطية والعولمة ببحيرة ناصر؟ ــ أنا أقدم نفسي.. اسمي بحيرة ناصر..! ولك أن تتخيل وقع العبارة على سمعنا وعلى آذان سائر المستمعين. كانت تقدم نفسها واثقة من نفسها. وقد علت سمرتها المليحة إمارات ثقة مشوبة بترقب لاشك انها تعرفه من قبل ولاشك أن طالعته من قبل في وجوه من يستمعون لها ويعرفون أن اسمها في شهادة ميلادها, وكما سجلته بطاقة هويتها التى أطلعتنا عليها في تلك اللحظة: بحيرة ناصر محمد أمين. وكان ختاما طريفا وجميلا لليلة كدنا فيها أن نقوم بتفكيك العالم ومحاولة اعادة بنائه من جديد.. وتلك عادة أهل الفكر والثقافة والكلمة.. وهى عادة متأصلة بل وتكاد تكون داء مزمنا لم يقلع عنه القوم رغم أنهم أول من يدرك بيقين أنهم في واد وأهل القرار والحسم والضبط والربط في واد آخر تماما. أهلها من أسوان.. أكثر مدن مصر وداعة وبساطة وأقلها صخبا الى حد كبير. روت لنا كيف أن والدها ظل يعمل سنوات نوخذه.. رئيسا للبحارة المراكبية يجوب في الصيف والشتاء أطراف أكبر مسطح من المياه العذبة من صنع الانسان.. واسمه بحيرة ناصر. ولقد ولدت ابنته في أوائل عقد السبعينيات وكان (ناصر) نفسه قد رحل الى عالم البقاء ولعل النوبي الطيب عايش تلك الفترة التى عملت فيها قوى كثيرة على تصفية حساباتها التاريخية مع عبدالناصر بعد أن طواه الثرى, ويومها نشروا كتابات وأذاعوا أقاويل وأصدروا أراجيف تريد من هذه الأمة أن تنسى مآثر رجل عاش ومات يلهج باسمها ويرفع أعلامها ويفني رحيق العمر من أجل قضاياها, منحازا بالدرجة الأولى الى الانسان العربى العادى البسيط الذى يعيش بين ظهرانيها في المشرق أو في المغرب. ولأن ريس البحارة محمد أمين رجل (دوغري) لا يعرف اللف ولا الدوران ولأنه أحس بظلم عبدالناصر حين رفعوا يومها اسمه من على البحيرة العظيمة الشاسعة وأسموها طيلة حقبة السادات باسم بحيرة السد العالي.. فقد شاء محمد أمين أن يقوم هو شخصيا بإنصاف الرجل الذى يدرك محمد أمين أنه حاول واجتهد أن ينصف بسطاء الناس.. وأن يكون صوتا لمن لا صوت لهم وكان يسميهم أصحاب المصلحة في المستقبل. ولا ندرى هل قرأ محمد أمين يوما مقالا نبيلا نشره أستاذنا أحمد بهاء الدين عليه رحمة الله في (الأهرام) وندد فيه بحكاية بحيرة السد العالي.. وقال العم بهاء يومها أن اسمها بحيرة ناصر في جميع الأطالس العالمية المعتمدة التى يتداولها العلماء والباحثون والرسميون والعاديون على السواء. (عاد لبحيرة ناصر اسمها الأصيل في بادرة انصاف من الرئيس حسني مبارك). ولعل محمد أمين عاد يوما من البحيرة وفى جعبته صيد وفير من أسماكها النهرية.. يحمد الله على هذا (الرزق) وهو تعبير الصيادين في مياه مصر المالحة والعذبة, وإذ اقترب من بيته المتواضع في ضواحي أسوان بشروه بأن الزوجة جاءها المخاض وأنها بانتظار المولود, إذن فقد حانت لحظة الإنصاف التى أضمرها في نفسه مواطن من أسوان الجنوبية لكى يطلق على وليده القادم اسم جمال أو اسم ناصر.. وعندما قالوا إنها وليدة جميلة سمراء.. وطرحوا عليه فاتورة أسماء البنات العصرية طبعا.. ما بين جيهان الى شريهان.. وما بين نانسى الى شيرين فاجأهم محمد أمين قائلا: ــ اسمها: بحيرة ناصر (!) وما شاء الله كان. خرجنا الى فضاء وسط البلد في القاهرة.. أسدل الليل ستوره في حنان على المكان وكادت ــ نقول كادت ــ حركة السيارات تركن الى بعض من هدوء.. فيما تصافح الوجه نسمات ربيعية تتناهى في شبه همس من مجرى النيل القريب.. وبدأت أفكر فيمن قابلت في نهر الحياة الصاخب المتلاطم من أفراد كان بعضهم مثل الصبية الأسوانية لا يحمل اسما عاديا مثل بقية خلق الله.. بل يحمل ما يمكن أن نصفه بأنه (الاسم ــ المؤسسة..) ساعتها استعادت الذاكرة صور أبناء جنوب السودان الطيبين الذين صادفتهم يوما في حديقة السفارة المصرية في الخرطوم. كنت مكلفا وها هى المصادفة تتكرر ربما عبر 30 عاما بالقاء سلسلة محاضرات اعلامية في اذاعة أم درمان. وحين زرت زملائي العاملين في اذاعة ركن السودان بالخرطوم جلسنا في حديقة السفارة في ظل شجرة أكاسيا عملاقة ومن حولنا كان ينشط في العمل رغم قيظ مايو ذلك الفريق من عمال البناء من أبناء جنوب السودان ولأمر ما اقترب منى مقاول الأنفار كيما أساعده على تسجيل أجورهم اليومية. كانت بالطبع من أزهد ما يكون.. وحين بدأ يملينى أسماءهم تملكنى عجب أقرب الى الروع الشديد.. كانوا خمسة وكانت اسماؤهم على التوالى هي: خمسة وعشرون ومكتب حكومة, وسيجارة حكومة والساعة واحدة.. وأخيرا أحسن جنوبي. طبعا كان لهم أسماؤهم الأصلية التى نشأوا بها بين قبائلهم ومن منحوت ثقافاتهم المحلية. لكن ها هم وقد وصلوا الى العاصمة السودانية المثلثة وبدأوا يسمعون ايقاع العربية على ألسنة الناس ومن خلال المذياع.. وعندما استحسن كل منهم جْرسا لاسم ما.. لم يتردد في أن يحمله إن لم يته به بين الأقران وكم كان يشجينى شخصيا أن أتردد كل يوم تقريبا على حديقة السفارة. لا لكى أزور زملائي الاذاعيين في استوديو ركن السودان (أصبح الآن فيما نعرف هو اذاعة وادى النيل) بل لكى أتجاذب أطرافا من أحاديث مع أصدقائي الجدد.. ما بين 25 أو أحسن جنوبى أو الساعة واحدة أو مكتب حكومي. وكانت أطراف أحاديثنا تستخدم بدورها أطراف أيدينا وأصابعنا.. ما بين كلمة من هنا واشارات وايماءات من هناك. وكم أسعدنى خلال عملنا الاذاعى أن ألتقى بمناضل جزائرى دوخ جيش الاحتلال الفرنسى خلال ثورة تحرير الجزائر.. وقد حمل يومها اسم (الكولونيل صوت العرب..) رغم أن اسمه الأصلى هو (صالح) كما قد نتذكر لأنه كان حريصا على متابعة أخبار الكفاح القومى من أجل الاستقلال في المشرق وفى المغرب من خلال اذاعة (صوت العرب). ومثلما خالطنا شئ من الارتباك عندما سمعنا اسم الآنسة (بحيرة ناصر) فقد شعرنا بالمشكلة نفسها حين ذهبنا لأول مرة الى مكتب سيدة كانت مسئولة كبيرة في ادارة الأمم المتحدة بالمقر في نيويورك لم تكن في غرفتها.. ويومها قالت جارتها في المكتب في تهذيب بيروقراطي: ــ أيها السيد.. تستطيع أن تنتظر.. ان (مرسيدس) في الطريق. وبعدها دخلت المديرة المسئولة تقدم نفسها قائلة: ــ أهلا.. أنا مرسيدس.. أى خدمة؟ بعدها عرفنا أن من منتسبى الثقافة الأسبانية من يطلقون اسم مرسيدس على بناتهم بل إن اسم السيارة الفارهة ذاتها هو أصلا اسم كريمة أحد الشركاء الكبار في شركة مرسيدس بنز الألمانية الشهيرة. وما لنا نذهب بعيدا وقد تناهى الينا عن كثب اسم السيدة (كاديلاك) وكانت رحمها الله من عائلة عريقة في صعيد مصر الأعلى تنتمى الى العلامة الأشهر المستنير رفاعة رافع الطهطاوي. ولا يفوتك أن نتذكر معا ما سبق الى ترديده شاعر الشعب بيرم التونسى حين عمد من باب السخرية الى المؤاخاة بينه هو شخصيا وبين (المجلس البلدى) الذى كان يفرض ضرائب باهظة ــ أو هكذا كان بيرم يتصور ــ على ساكنى الاسكندرية في بدايات القرن العشرين.. يومها أنشد بيرم قصيدته الشهيرة ولعلها من بواكير أعماله: قد أوقع القلب في الأشجان والكَمَدِ هوى حبيب يسمى (المجلس البلدي) يا بائع الفجل, بالمليم واحدة كم للعيال, وكم (للمجلس البلدي) كأن أمي, بلّ الله تربتها أوصت فقالت: (أخوك المجلس البلدي)