سلوبودان ميلوسيفيتش تجسيد لزعامة شيطانية من وجهة نظر العالم... لكنه بطل قومي من وجهة نظر شعبه الصربي. ونحن معشر شعوب العالم الإسلامي ليس لدينا سبب واحد للتعاطف مع هذا الزعيم الصربي، الدموي الذي أشعل حرباً صليبية وعنصرية ضد شعبين مسلمين شقيقين: شعب البوسنة وشعب كوسوفو. ومن هذا المنظور فإن ميلوسيفيتش صنو لأرييل شارون. لكن مع ذلك ينبغي أن نتعلم من أعدائنا. انظر في محنة شعبي البوسنة وكوسوفو ومحنة الشعب الفلسطيني من الزاوية المقابلة وسوف تقول لنفسك: ليت العرب والمسلمين أوتوا في مواجهة أعدائهم قوة الشكيمة والتصميم وقوة الشعور الوطني وشدة الغيرة القومية التي يتمتع بها أمثال ميلوسيفيتش وشارون. لقد كان مشهداً ذا عبرة وعنظة قبل بضعة أيام عندما تدافعت ألوف مؤلفة من جموع الصرب إلى منزل ميلوسيفيتش, وهو خارج السلطة, في العاصمة اليوغسلافية بلجراد وهتفوا بحياته وبسقوط التحالف العسكري الغربي الذي يحمل اسم (الناتو). ومغزى المشهد هو انه بينما تسعى حكومات الغرب للظفر بهذا الزعيم الصربي لتقديمه إلى محاكمة دولية كمتهم بارتكاب جرائم حرب تلتف حوله جموع شعبه ما جعل الحكومة اليوغسلافية تتردد في التجاوب مع المطلب الغربي. ونعلم أن ميلوسيفيتش كان حتى خروجه من السلطة العام الماضي رأس الحربة لحملة صليبية دموية ضد الشعب الألباني المسلم في إقليم كوسوفو لمنع الإقليم من الانفصال من الاتحاد الفيدرالي اليوغسلافي ليبقى تحت اضطهاد القومية الصربية التي تسيطر على الاتحاد باعتبارها قومية الأغلبية. ورأينا ورأى كل المسلمين كيف تكررت مذبحة دير ياسين في ألف مشهد ومشهد في كوسوفو الألبانية. هناك في فلسطين في أواخر أربعينيات القرن الماضي أجهز رجال العصابات الصهيونية ذبحاً على ما لا يحصى من الرجال والسناء والأطفال الفلسطينيين. وهنا في كوسوفو عند أواخر القرن يعيد التاريخ القبيح نفسه حيث المجرمون رجال عصابات صربية والضحايا مسلمون ألبان. أجل... ليس لدينا سببب واحد للإعجاب بنموذج ميلوسيفيتش أو شارون ومن قبله شامير وبيجن... بل لدينا كل الأسباب للثأر منهم. لكننا يجب أن نتساءل: لماذا تتوافر لدى أعدائنا وحدة الصف والهدف والإرادة والشعور الوطني والقسوة المفرطة ضد الخصم... ولا يتوافر لدينا سوى الفرقة والاقتتال والتنابذ بالألقاب وغياب الإرادة الجماعية؟ وإذا كان مثل هذا السؤال يجب أن يكون وارداً بإلحاح في كل زمان ومكان, فإن وروده في هذا العصر الذي نعيشه يجب أن يكون أشد إلحاحاً. فهو عصر صعود القوميات بعد انحسار عصر الأيديولوجية. في كل ركن من أركان عالم هذا العصر تنهض القوميات لتحاول فرض نفسها على الساحة الدولية من منطلق غريزة حب البقاء والطموح القومي... عدا الوطن العربي والوطن الإسلامي. في آن واحد تستيقظ القومية الصربية وتتناغم معها القومية الروسية... وتتطلع القومية الصينية إلى تحدي الولايات المتحدة كقوة عظمى لتحل مكانها. سيقول بعض الناس إن رفع شعار (العالمية الإسلامية) أفضل للمسلمين من الشعارات القومية. لكن المحنة هي أننا فقدنا الاثنين معاً... فلم يعد لدينا إحساس بالانتماء الجماعي سواء أيديولوجياً أو قومياً.