كان الله في عون أخواتنا المذيعات واخوتنا المذيعين, فهم بعد أن اجتازوا محنة المذيعة الافتراضية (أنانوفا) التي سببت لهم عند ظهورها على شاشة الانترنت قلقا سرعان ما تبدد ليس بفضل مثابرتهم والجهود التي بذلوها، لرفع مستواهم بالطبع, وإنما بفضل تعصّبنا نحن المشاهدين لجنسنا البشري ورفضنا لدخول الخيال الافتراضي حياتنا التي لا تنقصها الخيالات والأوهام الحقيقية. أقول بعد أن اجتازوا هذه المحنة ومحنا أخرى كمزاحمة الفنانين والممثلين لهم ودخولهم الميدان منافسين للمذيعين في لقمة عيشهم, إذا بهم يواجهون اليوم محنة من نوع آخر تتمثل في هجوم بدأ منذ أيام على مهنتهم من قبل رؤساء دول سابقين استهوتهم أضواء التلفزيون بعد أن انحسرت عنهم أضواء السلطة فاتجهوا للعمل في هذا الجهاز الساحر معتمدين على نجوميتهم السابقة التي أفلت في عالم السياسة ساعين إلى بعثها أمام كاميرات التلفزيون ومايكروفونات الاذاعة. أول هؤلاء المنافسين هو الرئيس الروسي السابق ميخائيل جورباتشوف صاحب نظرية (الجلاسنوست) أو الشفافية وبطل حملة البريستوريكا (إعادة البناء) واللاعب الأكبر في تفتيت الاتحاد السوفييتي والقضاء على النظرية الشيوعية وبزوغ النظام العالمي الجديد الذي وضع كل أوراقه وملفاته في يد الشقيقة الكبرى أمريكا. جورباتشوف الذي احتفل قبل أيام باكتمال العقد السابع من عمره قرع أبواب التلفزيون عارضا نفسه مقدما لبرنامج يستضيف فيه نظراءه الحاليين والساسة البارزين اختار له اسم (أسرار القوة) ــ التي يبدو انه لم يعرف كيف يحافظ عليها ــ وحدد ضيوف حلقاته مبتدئا بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بعد أن سجّل في مفكرته أسماء جورج بوش الأب والبارونة مرجريت تاتشر والبابا يوحنا بولس الثاني والزعيم الجنوب افريقي نلسون مانديلا. وعلى خطى جورباتشوف قرر الرئيس الفلبيني المخلوع جوزيف استرادا البالغ من العمر ثلاثة وستين عاما التوجه إلى الاذاعة لتقديم برنامج حواري يأمل أن يواجه من خلاله الدعاية السوداء ضده ــ على حد قوله ــ بعد الثورة الشعبية التي أطاحت به ووضعته في خانة المفسدين وإن كانت الحكومة الجديدة الطيبة قد وعدته بالعفو عنه كما يدّعي. ونحمد الله أن الصحافة ليست من هوايات استرادا ــ كما صرح ــ خاصة وأن جميع الصحف قد تآمرت ضده للاطاحة به ــ كما يزعم ــ وإلاّ لأصبح منافسا خطيرا للصحفيين أعداء الفساد والمفسدين. الجدير بالذكر أن الرئيس الفلبيني المخلوع ذو خبرة إذاعية سابقة وإن كانت سيئة ــ ككل سيرته ــ فقد كان يقدم بالفعل برامج حوارية اسبوعية في الاذاعة والتلفزيون في بداية فترة رئاسته, لكنه توقف عنها بعد أن ورطته بعض التصريحات التي أدلى بها أثناءها. المنافس الخطير الثالث الذي فوّت على نفسه فرصة العمل مذيعا كان المرشح الديمقراطي الأمريكي ونائب الرئيس السابق آل جور, فقد عرضت عليه إحدى المحطات إبّان حمّى إعادة فرز الأصوات وهو يضع رجلا داخل البيت الأبيض ورجلا خارجه أن يعمل مذيعا بها, لكن إغراء السلطة كان أقوى وقتها وبريق أضواء كرسي الرئاسة جعله لا يلقي بالاً لنداء أضواء استوديوهات التلفزيون فخسر كل الأضواء وعاد إلى الكواليس المعتمة كما ذهب إليها كثيرون قبله. هذا التهافت والزحف على مهنة المذيعين الذي بدأه الفنانون وانضم إليهم فيه الرؤساء السابقون دفع اخوتنا المذيعين في العالم العربي ــ من باب الاحتياط طبعا ــ إلى ابتكار وسائل جديدة وإن كانت غريبة للمحافظة على مصدر رزقهم, وقد استقبلنا هذه الوسائل في البداية بالدهشة والاستهجان ثم سرعان ما اعتدناها بعد أن تفهمنا دوافعهم, فمنهم من ارتدى قلنسوة الطباخين وشمّر عن ساعديه وأمسك بالمغرفة يقلِّب بها أطايب الطعام أمام سمع المشاهدين وبصرهم ويتلقى اتصالاتهم ليبدوا آراءهم في طبق اليوم وهو ينتقل من طنجرة إلى طنجرة ومن مقلاة إلى طاسة رافعا عقيرته كلما تلقى اتصالا هاتفيا (أيوه) ورائحة الطبيخ تملأ الاستوديو. ومنهم من تحوّل إلى (قهوجي) يترك مقعده الوثير أثناء الحوار ليحضِّر القهوة والشاي لضيفه واضعا الابريق بعد أن يملأه بالماء على النار ويضيف الشاي أو القهوة ــ حسب رغبة الزبون ــ والحوار مستمر مع الضيف, ثم يسأله عن عدد قطع السكر التي يريدها والحوار مستمر, وننتظر أن يحضر الفاتورة ويستلم الحساب والحوار مستمر, ثم يعيد الباقي وينتظر البقشيش والحوار مستمر, وهكذا تنقضي أمسية جميلة وليلة سمر ولا أحلى مع شكل حديث من أشكال البرامج والمذيعين. ومن المذيعين من تحول إلى عامل بدالة وحدد دوره ــ بعد أن اتخذ الضيف مكانه في الاستوديو ــ في استقبال مكالمات المشاهدين وتحويلها للضيف بعد أن يتلقى نصيبه من الشكر والاطراء والثناء على برنامجه (الناجح) حتى غدت كل البرامج ناجحة بشهادة من يحالفه الحظ فيلتقط الخط, أو يكون الاخوة في (الكونترول) قد رتبوا الأمر وقاموا هم بالاتصال به بدليل أننا نسمع الأسماء نفسها تتكرر في كل الاذاعات وفي جميع البرامج على مدار الساعة. وبعد أن رأينا نوعية من المذيعات والمذيعين فاغرة أفواهها على الشاشة تضحك لأقل سبب وبدون سبب غالبا, مع ان الضحك من غير سبب قلة أدب كما علّمنا أهلنا صغارا, ظهر علينا نوع آخر من المذيعين متجهّم الوجه مقطّب الجبين عابس, ينظر إلينا من فوق النظارة والشرر يتطاير من عينيه اللتين ضاقت حدقتهما كأن بيننا وبينه ثأرا من أيام داحس والغبراء, مع اننا ــ وحق الله ــ مشاهدون طيبون لا حول لنا ولا قوة, ولا نملك سوى جهاز (ريموت كونترول) نستطيع أن نغيّر به المحطة ونهرب من هذه المعركة وكفى الله المؤمنين شر القتال. كما ان هناك المذيعة ذات المواهب المتعددة التي بامكانها أن تتحول في طرفة عين إلى راقصة لهلوبة إذا استدعى الموقف ذلك, وتتساقط دموعها غزيرة في المواقف الإنسانية المؤثرة, ولها في كل قضية رأي وفي كل محفل حضور, وليس مهماً أن يكون رأيها ذا قيمة ولكن المهم أن يكون حضورها طاغيا ملفتا مديرا للرؤوس. فإذا ما انتقلنا إلى برامج الأطفال استقبلنا ذلك المهرج بزعيقه وحركاته البهلوانية ووجهه الملطخ بمختلف الألوان والأصباغ وأنفه المتضخم الذي طالما رأيناه في خيام السيرك ليأخذ في التقافز ذات اليمين وذات الشمال حتى إذا ما ضاق به الاستوديو هجم على الكاميرا ينطحها بأنفه ورأسه وهو يوزع نصائحه على الأطفال بصوته الأخنف, وأي نصائح تلك التي سيتقبلها الأطفال ويعملون بها من شخصية هزلية لا تثير لديهم سوى الاستهجان والسخرية والازدراء؟ وعلى هذا المنوال رأينا المذيع الديك والمذيع الماراثوني والمذيع المفتي والمذيع المنبطح والمذيع المحصور والمذيع المستظرف.. وقائمة طويلة عريضة من المذيعين تحول ثقافتي الفضائية المتواضعة دون الإلمام بكافة أفرادها فأترك لكم مهمة استكمالها وتقديم الوصف المناسب لحاملي ألقابها, أما أنا فلا أملك إلاّ أن أحزن بعد أن أصبح المايكروفون والكاميرا مهنة من لا مهنة له من الرؤساء السابقين ذوي الأدوار المشبوهة وأولئك الفاسدين الساعين إلى تحسين صورتهم بعد أن حسّنوا أوضاع جيوبهم بالطرق التي تعرفونها أجارنا الله وإياكم منها ومن عواقبها الوخيمة. وهكذا ذهب ــ مأسوفا عليه ــ عصر كانت مهنة المذيع فيه مهنة محترمة لا يحلم بها إلاّ المتميزون ولا ينالون شرف الانتماء إليها إلاّ بعد اختبارات ومقابلات لا يتمكن من اجتيازها سوى عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة من بين مئات المتقدمين, وأصبحنا نعيش زمناً الكل فيه متميز كما نسمع في اذاعاتنا ونشاهد على شاشاتنا حتى غدونا نحن أيضا مستمعين ومشاهدين متميزين ما دمنا سنحظى باطلالة فخامة السيد المذيع (الرئيس سابقا) علينا بين لحظة وأخرى, ومن يعيش رجباً يرى عجباً كما يقول المثل.