تستمر التحضيرات للقمة العربية المقبلة في نهاية هذا الشهر. وتأتي القمة في إطار محاولة العرب تفعيل مؤسستهم الجماعية. فمنذ عام 1990 أي منذ الغزو العراقي لدولة الكويت ومؤسسة القمة في حالة تعطل. فعلى مدى ست سنوات بعد عام 1990 لم يجتمع القادة العرب. ولكنهم اجتمعوا لمرة واحدة عام 1996 في ظل صعود الليكود برئاسة نتانياهو الى السلطة في إسرائيل ثم انقطعت القمم العربية أيضاً منذ عام 1996 إلى ان اندلعت الانتفاضة الفلسطينية في أكتوبر من العام الماضي, فالانتفاضة وردة فعل الشارع العربي فرضت نفسها على التوجه السياسي العربي مما أدى الى مؤتمر عاجل للقادة العرب في أكتوبر 2000. وفي هذا الاطار نجد أمام العرب أجندة مثقلة بالقضايا. فبالرغم من حجم الهموم الاقتصادية العربية إلا أن القضايا الرئيسية التي تفرض نفسها على أجندة العالم العربي هي الانتفاضة الفلسطينية ودعمها اضافة الى كيفية التعامل مع عودة الليكود في اسرائيل بقيادة شارون, وتشكل حالة الخلافات العربية العربية المرتبطة بالغزو العراقي لدولة الكويت جانباً آخر يؤثر في الأجندة العربية, إذ يحاول العرب بوسائل مختلفة بناء اجماع عربي لا يتأثر بطبيعة التناقضات الخاصة بإفرازات الغزو العراقي لدولة الكويت. وبطبيعة الحال نجد أن القادة العرب الذين سيلتقون في مؤتمر القمة يعبرون عن توجهات ومصالح مختلفة. والدول العربية المركزية مثل مصر وسوريا تعيش تناقضات حول السلام مع اسرائيل وحول التعامل مع الولايات المتحدة وحول التعامل مع قضايا الشرق الأوسط الأخرى. أما العراق فيعيش في صراع مفتوح حول العقوبات وحول الأسلحة وحول علاقاته الدولية والعربية. أما لبنان فلديه همومه الخاصة حول علاقاته العربية وأوضاعه الاقتصادية, وكذلك هو الأمر في الأردن, بينما في فلسطين هم آخر مرتبط بالانتفاضة ومرتبط بالسؤال الكبير عن الاستقلال والانسحاب الاسرائيلي والمستقبل. وبالوقت نفسه نجد أن دول المغرب العربي تبحث هي الأخرى عن حالة تجانس مع أوروبا وذلك في ظل محاولة سعيها لتحسين فرصها الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي. ويمكن اعتبار قبول الكويت بالتحول نحو الحالة العراقية الكويتية عوضاً عن أي من التعابير الأخرى دليل مرونة كويتية تجاه الإجماع العربي. وبينما لم تصر الكويت على وضع بنود مستقلة خارج اطار هذه الحالة نجد في المقابل ان العراق سعى لإدراج قضية الحصار ومنطقة الحظر الجوي كبنود مستقلة خارج اطار الحالة بين العراق والكويت. ولكن مفهوم رفع العقوبات عن الشعب العراقي يظل أمراً مطروحاً وذلك لطبيعة العقوبات التي يعاني منها الشعب العراقي. وفي مقدمة الخلاف بين كل من الكويت والسعودية من جهة وبين العراق من جهة أخرى الخلاف على الخطاب السياسي العراقي, اذ يبقى السؤال هل شعر العراق بندم على ما قام به عام 1990, وهل يعتبر العراق أن عدوانه على دولة الكويت كان خطأ يستحق أن ينقد على أعلى مستوى؟ إن الموقف الكويتي بالتحديد ينطلق من أهمية حل قضية الأسرى اضافة لنقد عراقي لقرار الغزو. ولكن رد الصحاف وزير الخارجية العراقي في مؤتمر وزراء الخارجية العرب الممهد لمؤتمر القمة حمل معه موقفاً سلبياً من نقد غزو 1990, ومع ذلك ورغم درجات من التوتر وقعت خطوات لصالح محاولة انجاح مؤتمر القمة العربي المقبل. إن انعقاد مؤتمر جديد للقمة العربية يمثل ظاهرة إيجابية وذلك لأهمية مؤسسة القمة ولأهمية التقاء القادة العرب. فمؤتمر القمة ينعقد بهدف البحث عن طريقة لنصرة الانتفاضة الفلسطينية في الأراضي المحتلة, والتعاطي مع إفرازات انتخاب شارون رئيساً للوزراء, وهو ينعقد في ظل أوضاع عربية ودولية تتميز بالتقلب. ولكنه بالوقت نفسه ينعقد بالنسبة للكثيرين في ظل تناقضات عربية وأوضاع اقتصادية وانسداد فرص امام الجيل العربي الشاب. لهذا هناك من يقول إنه ينعقد متأخراً وأنه لن يغير الكثير في المعادلة العربية التي يسيطر عليها الجمود السياسي. لهذا سوف ينعقد المؤتمر في ظل آفاق تحتمل النجاح كما تحتمل الجمود. * أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت