هل يعود عصر الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا؟ واذا عادت الحرب الباردة هل يكون لها أثر على الصراع العربي الاسرائيلي؟ وكيف؟ هذه الاسئلة طرأت دفعة واحدة مع اندلاع حرب دبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا الاسبوع الماضي بعد ان اعلنت واشنطن انها قررت طرد 50 دبلوماسيا من العاملين في السفارة الروسية في واشنطن وتوعد روسي بطرد عدد مماثل من الدبلوماسيين الامريكيين العاملين في السفارة الامريكية في موسكو. وما يعيد الى أذهان العالم اجواء الحرب الباردة التي كانت السمة العظمى للعلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق لمدى اكثر من 45 عاما حتى بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي ان هذه المعركة الدبلوماسية تتعلق بممارسة التجسس. فقرار الطرد الامريكي يأتي في اعقاب اعتقال ضابط استخبارات امريكي يدعى روبرت هانسن يعمل لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي وتتهمه السلطات الامريكية بالتجسس لحساب موسكو. لقد انتهت الحرب الباردة, وهي صراع يعتبر التجسس احد أهم اسلحته لان الاتحاد السوفييتي تلاشى كامبراطورية وقوة عظمى ثانية في العالم.. فلم يعد هناك تكافؤ يبرر استمرار الحرب بعد ان تحولت الكيانات التي كان يتكون منها الاتحاد السوفييتي الى دول مستقلة في منطقة القوقاز واسيا الوسطى واوروبا الشرقية. هنا يجب ان ننبه الى ان روسيا كانت جوهر ومركز الكيان السوفييتي الاعظم.. وما عداها كانت بمثابة فروع ثانوية لهذا المركز, فروسيا هي التي فجرت الثورة البلشفية الشيوعية في عام 1917.. وحزبها الشيوعي وقادتها من فلاديمير لينين وجوزيف ستالين الى ليونيد بريجنيف هم الذين قاموا ببناء الدولة السوفييتية العظمى. وعليه, فانه بالرغم من زوال الاتحاد السوفييتي تبقى روسيا نواة دولة عظمى قابلة للاحياء بصورة او بأخرى طال الزمن ام قصر. لقد انتهت الحرب الباردة ليس بزوال الاتحاد السوفييتي فقط.. وانما لان الزعامة التي حكمت روسيا منذ مغيب الشمس السوفييتية في اواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات وحتى نهاية القرن الماضي المتمثلة في جورباتشوف ويلتسين استسلمت تماما لهذا الظرف الواقع مع تجاهل كامل للمشاعر الشعبية القومية في روسيا. لكن مع صعود فلاديمير بوتين الى السلطة اختلف الامر. فقد جعل بوتين هاجسه الاعظم واولويته الاساسية حشد الشعور القومي الروسي المسنود بتاريخ طويل للاستقلالية الروسية هو احياء المكانة الدولية المتميزة لروسيا كقوة عظمى ثانية. وفي وجه معارضة امريكية شرسة لعودة روسيا قوية الى الساحة الدولية فان الصدام بين روسيا بوتين والولايات المتحدة يصبح حتميا. من هذا المنظور نستطيع ان نتبين لماذا تظهر بوادر الحرب الباردة بين الطرفين. بالطبع ليست روسيا بحال من الاحوال في الوقت الحاضر ندا للدولة العظمى الامريكية, لكن مع تصاعد المد القومي الروسي وانعكاسه على توجهات السياسة الدولية الروسية سوف تكون هناك على الدوام بؤر لصدام روسي امريكي في اطار معركة المصالح المتضاربة. والصدام الواقع الان بين القوتين بشأن العراق وايران ليس سوى احدث حلقة في سلسلة سوف تمتد الى المستقبل. وبعد زوال الاتحاد السوفييتي يبدو ان التاريخ يعيد نفسه الان ليتيح للعرب فرصة اخرى لاستقطاب روسيا كحليف استراتيجي في الصراع العربي الاسرائيلي.