نفهم أنه أمر طبيعي أن يتحول سفاح الى رئيس وزراء دولة مثل اسرائيل! ونفهم أن تستقبله واشنطن بترحاب بحكم مصالحها في المنطقة من ناحية, وبحكم علاقتها بالدولة الصهيونية من ناحية ثانية, وبحكم النفوذ اليهودي في العاصمة الأمريكية من ناحية ثالثة. ونفهم أن ينتهز شارون الفرصة لتحسين صورته القبيحة, ولتقديم سياسته الأشد قبحا, وللحصول على الدعم الأمريكي لحرب الابادة التي يشنها على الشعب الفلسطيني. كل هذا مفهوم أن يقوم به شارون اذا وجد الفرصة.. وقد وجدها, أما أن تبلغ الوقاحة به أن تصبح مهمته الرئيسية هي التحريض على مصر فهذا مايستحق الوقوف عنده. شارون وفقا للمصادر الاسرائيلية الرسمية طلب من واشنطن وقف مساعدتها العسكرية لمصر, وأسبابه التي قدمها هي أن مصر تمارس تأثيرا سلبيا على عملية السلام برفضها عودة سفيرها في تل أبيب وبتشجيعها بلدانا عربية أخرى على قطع علاقاتها باسرائيل. هذا من الوجهة السياسية, أما من الناحية العسكرية, فالمساعدات في رأي شارون تثير قلق اسرائيل بسبب تعزيز قدرات الجيش المصري في وقت (لا يوجد فيه أي خطر استراتيجي ذي شأن يهدد مصر)!! وحكاية تأثير مصر السلبي على عملية السلام حكاية أصبحت مثل النكتة البايخة منذ أن رددها نتانياهو وهو يتهم مصر بتشجيع الفلسطينيين على قبول ما تريد اسرائيل فرضه عليهم. وهو قول لا يستحق عناء الرد لأن مصر مهما كانت الضغوط لن تتخلى عن دورها في مساندة الحق العربي, ولن تقبل أن تكون وسيلة ضغط على الفلسطينيين ليقبلوا التفريط في حقوقهم. الجديد هو تبرير شارون بأن مصر لا تواجه أي خطر استراتيجي ذي شأن يبرر تعزيز قواتها العسكرية. ونحن نتمنى أن نصدق ذلك لولا أن على حدود مصر كيانا عنصريا يحتل أراضي أكثر من دولة عربية ويرفض كل عروض السلام ويدوس بأقدامه على قرارات الشرعية الدولية, وشن حرب ابادة على شعب عربي تحت الاحتلال, ويهدد المنطقة بما يملكه من أسلحة تقليدية ونووية, وتسيطر على مقدرات هذا الكيان حكومة يرأسها سفاح ومجرم حرب ويشارك فيها وزراء يهددون علنا بضرب السد العالي وقصف القاهرة ودمشق وطهران. هذا الكيان تعرف مصر خطورته وتدرك معنى أن يتحكم في مقدراته تحالف الفاشيين العنصريين, وتعرف مصر كيف تحمي نفسها من هذا الخطر وغيره, وبالمساعدات الأمريكية وبدونها. وتدرك مصر أن القوة التي تحمي السلام هي القوة التي تمنع الحرب. وشارون يعرف ذلك ولكن ماذا نقول اذا كان (اللي اختشوا.. ماتوا) أما الآخرون فبعضهم تحول من سفاح بدرجة جنرال الى رئيس وزراء بدرجة مجرم!! والمهم هنا أن شارون لم يكن يتحرك وحده وهو يطلق تصريحاته العدائية ضد مصر من قلب العاصمة الأمريكية. فقد كان معه تحرك آخر للوبي الصهيوني داخل الكونجرس وخارجه, وكان معه توجهات جديدة وقديمة للسياسة الأمريكية تجاه القضايا العربية ربما تجد في شارون رغم كل تاريخه شريكا مقبولا بل ومطلوبا في المرحلة المقبلة. من ناحية اللوبي الصهيوني فقد بدأ التحرك لتسويق شارون من قبل حسم المعركة الانتخابية في اسرائيل. وبغض النظر عن مدى النجاح في ذلك, فإن اللوبي الصهيوني يواصل معركته في كل الأحوال وبغض النظر عن شخص رئيس الوزراء من أجل توفير أقصى الدعم الأمريكي للموقف الاسرائيلي.. أيا كان هذا الموقف, ومن اجل الاساءة للفلسطينيين والعرب. ورغم أن الادارة الأمريكية الجديدة تدرك أن 80% من أصوات اليهود قد ذهبت للديمقراطييين في انتخابات الرئاسة الأخيرة, فانها تدرك انها لا تستطيع أن تهمل التعامل مع لوبي له كل هذه القوة المالية والسياسية والاعلامية, بل انها على العكس تسعى لاسترضائه. وفيما نحن بصدد الحديث عنه, فإن اللوبي الصهيوني انتهز الفرصة ليشن هجوما على مصر, ولينقل المعركة الى الكونجرس حيث بدأ يردد مطالب شارون بوقف المعونة العسكرية لمصر. وربما تمتد المطالبة أيضا الى المعونة الاقتصادية. فهذا هو موسم ابتزاز مصر في العاصمة الأمريكية, وهو موسم يسبق دائما زيارة سنوية يقوم بها الرئيس المصري ومقرر لها أن تكون مع بدايات ابريل المقبل, وبعد أيام من قمة عمان العربية. ويترافق مع هذه الحملة من الكونجرس وشارون في العاصمة الأمريكية, زيارة مشبوهة للجنة أمريكية لتقصي الحقائق حول الأحوال الدينية يرأسها عضو الكونجرس الأمريكي السيناتور اليوت ابراهانر. وقد لقيت زيارتها للقاهرة معارضة شديدة من كافة التيارات السياسية والفكرية ومن مختلف الجماعات الدينية الاسلامية والقبطية التي رفضت استقبال الوفد, وان كان شيخ الازهر والبابا شنودة قد استقبلا الوفد من موقعهما الرسمي بالاضافة الى مقابلاته الرسمية. وقد أوضحت كل القوى أن مصر لا تعرف ما يسمى باضطهاد الأقليات وأن ما يدور من أحداث بين مسلمين ومسيحيين داخل مصر هو خلافات الأسرة الواحدة التي تحل دون تدخل خارجي, وبعيدا عن أي محاولة لتضخيم الأحداث أو محاولة ادخال مصر نفقاً أمريكياً لا ينتهي من المؤامرات الطائفية. وكان العجيب حقا أن يكون رئيس الوفد الأمريكي الذي جاء ليطمئن على أحوال الأقباط في مصر كما يزعم, هو الذي يكتب مقالا قبل أسابيع تحت عنوان (لماذا شارون) يدافع فيه عن وجود السفاح الاسرائيلي في موقع رئيس الوزراء لأنه كما يزعم السيناتور السيىء في منطقة تحكمها البلطجة وتهددها الحروب احتفظت هذه الدولة الصغيرة (اسرائيل) بصحافة حرة وانتخابات حرة!! انها ليست الوقاحة فقط, بل الدعارة السياسية التي تجعل هذا الذي جاء ليحقق في اضطهاد مزعوم لأقباط مصر يرفع راية الدفاع عن اسرائيل التي تواجه كما يزعم خطر اجتياح الفلسطينين لها بحجة ما يسمى حق العودة الذي يهدد الطبيعة اليهودية للدولة. المصادر الرسمية قالت: أن اللجنة أهلية وليست حكومية, وان مصر ليس لديها ماتخفيه, ولهذا سمحت لها بالحضور! ولكن القضية أبعد من ذلك فاللجنة التي جاءت لتحقق في مصر والسعودية واسرائيل والأراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية تعطي لنفسها ولأمريكا حقوقا لا يمكن قبولها. ومصر بالذات تعرف أن هذا هو الطريق الذي كان يراد استهدافها من خلاله لضرب وحدتها الوطنية. حاول الانجليز طوال 70 سنة من الاحتلال وفشلوا, وحاوله قبلهم الفرنسيون أيام الحملة الفرنسية, والأوروبيون أيام الحملات الصليبية.. وكلهم فشلوا لأن أقباط مصر ليسوا أقلية تواجه الأغلبية المسلمة, وانما الاثنان يشتركان في نسيج وطني واحد يرفض التفرقة ويتمسك بالوحدة الوطنية ويعتبرها قدس الأقداس في دولته الحديثة. واللعبة مكشوفة وتمارسها أمريكا منذ سنوات, ولا تمل من تكرار المحاولة, ورغم المعارضة الشعبية الواسعة تجيء اللجنة المشبوهة لكي تكرس أوضاعا يكون لها فيه حق التحقيق في قضايا الداخل المصري. ولكي تمارس من خلال ذلك الابتزاز ومحاولة التأثير في موقف مصر من القضايا القومية ومن قضية الصراع مع اسرائيل بالذات. وتكتمل التحركات المشبوهة بمواقف رسمية للادارة الأمريكية ترافقت مع زيارة شارون. ويمكن الاشارة هنا الى عدد منها: ففي الوقت الذي كان شارون يطالب بمعاقبة مصر لموقفها السلبي ضد مساعي السلام في المنطقة! كان كولن باول وزير الخارجية الأمريكي يهاجم رفض مصر والأردن ارسال سفيريهما الى اسرائيل, وكانت مصر قد استدعت سفيرها احتجاجا على حرب الابادة التي تشنها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني, ولم تعين الأردن سفيرا جديدا لها هناك في هذه الظروف! وفي الوقت الذي كانت اسرائيل تعلن فيه استئناف البناء في مستوطنة جبل أبوغنيم لتطويق القدس, كانت الادارة الأمريكية ترفض ادانة هذا الاجراء غير الشرعي, وكان الرئيس بوش يجدد لشارون تعهده بنقل السفارة الأمريكية للقدس, وان كان قد ألمح الى ان وضع المدينة النهائي يحدده الطرفان المتفاوضان!! وقبله كان وزير الخارجية الأمريكي قد أعلن بأن السفارة ستنتقل للقدس (عاصمة اسرائيل الآن)! وحل هذه الاشكالية يأتي مع تأكيد الرئيس الأمريكي بوش بأن أمريكا لن تفرض حلا ولكنها ستقوم بـ (تسهيل) الوصول لحل بين الاسرائيليين والفلسطينيين.. أي انها ببساطة سوف تكون شاهد زور على املاء الاسرائيليين لشروطهم على الفلسطينيين بالقوة!! وآخر الرسائل المشبوهة الملغومة لمصر والعرب جميعا (قبل قمتهم المنتظرة) أن ادارة بوش توافق على مخططات شارون في مجملها, وترى أن العنف (أي الانتفاضة) ينبغي أن يتوقف قبل استئناف التفاوض, وأن التفاوض لن يكون للوصول لحلول نهائية, بل لمجرد تخفيف حرب الابادة الاسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني, ورفع الحصار جزئيا على مدن الضفة والقطاع, وتحويل بعض الأموال الفلسطينية المحتجزة للسلطة الفلسطينية بعد أن تثبت حسن السير والسلوك, وتقمع الانتفاضة, وتواصل التنسيق الأمني مع اسرائيل والمخابرات الأمريكية. كيف سيكون الرد العربي على كل هذا الابتزاز غير الاخلاقي والدعارة السياسية التي تمارس ضد الشعوب العربية؟ الرد سيكون في قمة عمان.. أو هكذا نأمل. والصورة ستكتمل بعد زيارة الرئيس المصري لأمريكا في بداية الشهر المقبل ليكون أول رئيس عربي يلتقي بالرئيس بوش.. فهل تكون معه رسالة عربية واضحة.. ترفض الابتزاز, وتتمسك بالشرعية الدولية والحقوق العربية, وتؤكد استمرار المقاومة ودعم الانتفاضة وفرض المقاطعة الشاملة على العدو الاسرائيلي ومن يسانده في عدوانه.. أم أن القمة سيكون لها رأي آخر؟!