يبدو ان داء العولمة الذي يسري الآن في جسد العالم لم يستثن احداً, فقد بدأت عوارضه تطغى على مختلف الوجوه, وتتفاعل مع جميع المستويات الحياتية, بدءا من الغفير وانتهاء بالوزير.. لذا لمسنا جميعاً ما أفرزته نهاية القرن العشرين من تداعيات مثيرة لم يستطع احد التستر عليها او حتى الابتعاد عنها, فما دمنا نتعاطى العولمة اجبارياً فنحن مكشوفون, لأننا في بيوت زجاجية شفيفة, ولهذا يجب علينا كما تقول تعاليم العولمة ألا نقذف احداً بحجر! ولأنني لا أستطيع ان أقذف احداً بحجر كما تقول التعاليم أضع نقطة هنا وأبدأ من أول السطر حتى أتمكن من شحذ همة القلم وليس الحجر كما تعتقدون فأشير الى أن العولمة رمت الجميع دون حياء في شباكها, وأصبح من لم يتعولم جاهلاً بمتطلبات المستقبل, وهكذا وجدنا الكل يرمي بازار الحياء ليتعولم, وينضم الى القافلة بدءاً من الراحلة ديانا مروراً بكاميليا وانتهاءً بالرئيس الامريكي السابق كلينتون وصديقته العزيزة مونيكا لوينسكي.. فالذاكرة ما زالت تنقش فضائح ابطال القرن الذي لملم أوراقه ورحل. تلك الفضائح التي طالت رؤساء ووزراء وزعماء سياسيين بارزين, فقبل عدة سنوات قبضت السيدة سوزانا على زوجها ألبرتو فيجوموري رئيس بيرو بالجرم المشهود مع عشيقته, ولأن العولمة لا ترحم احدا حاولت السيدة سوزانا الانتقام منه بالفوز عليه في انتخابات الرئاسة بعد ان وظفت قيمة التعويض الذي حصلت عليه بعد الطلاق منه لحملتها الانتخابية.. فماذا حدث؟ ببساطة تغلب فيجوموري عليها فخسرت التعويض والزوج, وكسب هو العشيقة! ولأن العولمة تتواصل وتكسب في هذا الزمن لأنها تتعامل بمنطق النجوم والمشاهير ترى ماذا حدث للرئيس النمساوي؟ قصة الرئيس النمساوي توماس كليستيل تحولت ايضاً في اطار عولمة الرئيس الى دراما عائلية بفضل صديقته مارجوت ليوفلر, ورغم تحلي الزوجة أديت كليستيل بالحكمة عكس سوزانا زوجة رئيس بيرو, الا ان تلك الحكمة لم تصمد طويلاً للابقاء على حياتها الزوجية فبعد مرور ست سنوات تم الطلاق وتزوج الرئيس من عشيقته مارجوت.. والسؤال هل توقفت السلسلة هنا؟ الاجابة بالطبع لا.. فما دمنا نتعاطى العولمة فلن تكون هناك أسرار, فالبيوت والقصور والأمكنة في هذا السياق لابد ان تكون زجاجية يرى الناس ما بداخلها, ولابد كذلك من معرفة مصطلح الشفافية هنا والتعامل معه.. عموماً سلسلة أبطال القرن الماضي ما زالت تزخر بالأسماء والنجوم, وحتى لا أقف عند هيلاري وكلينتون والمتدربة السابقة في البيت الابيض مونيكا لوينسكي التي اصبحت اشهر شخصيات القرن العشرين, اتعدى ذلك فأشير الى الرئيس الارجنتيني كارلوس منعم الذي وجد نفسه أمام مونيكا أرجنتينية, ومشاكل عائلية, فلجأ الى العسكر لابعاد زوجته العنيدة من قصر الرئاسة, وقبله أثارت القصص الغرامية والفضائح لأميرة موناكو ستيفاني ضجة متواصلة والتي أخذت تستبدل عشاقها وترميهم كما ترمي فردة الحذاء.. وبين هذه الفضيحة وتلك لم يسلم جان ماري لوبين زعيم اليمين المتطرف في فرنسا من الفضيحة, فزوجته التي تقطر انوثة وجمالاً بيريت انتقمت منه بنشر صور لها في مجلة بلاي بوي المعروفة فأصبح مضغة في فم الجميع. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن.. ماذا تبقى للشعوب بعد ان سقطت المعايير, وماتت القدوة, وأصبح صاحب القرار ممثلاً يملك وجوهاً متعددة وأقنعة مختلفة يرتديها كلما تطلب الموقف وجهاً جديداً.. عندما تولى رونالد ريجان رئاسة الولايات المتحدة كتبت بعض الأقلام الأمريكية المعارضة تعليقات مثيرة منها: ماذا يفعل هذا الممثل في البيت الابيض؟ وهوليوود تكتب سيناريو الولايات المتحدة. وغيرها من العبارات التي تدل على عدم اقتناع البعض بما يحدث الا ان تلك القناعة بدت تزول الآن بفضل الممثل بيل كلينتون, الذي أثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأنه ممثل بارع, وبالتالي ضمن مستقبله الذي كان حتى وقت قصير في مهب الريح, فقد ظهر الرئيس الامريكي الذي تنتهي ولايته بعد تسعة اشهر في فيلم فيديو قصير لعب فيه دور رئيس عاطل عن العمل, ويظهر كلينتون خلال هذا الفيلم بشكل مثير ربما تفوق فيه على نجوم الفكاهة والكوميديا, اذ يظهر بقالب مرح وهو يحاول تمضية ما تبقى له من الوقت في البيت الابيض في صنع طائرات ورقية وجز العشب وتصفح المجلات في انتظار ان تنهي الغسالة تنظيف ملابسه. وفي مشهد مثير آخر يلفت الانتباه يظهر كلينتون وهو يغسل سيارة ليموزين تستقلها زوجته هيلاري للتوجه الى عملها كسيناتور عن ولاية نيويورك, ثم يظهر وهو يركض وراء السيارة بعدما نسيت حرمه المصون السندويتش الذي أخذ وقتاً في تحضيره خصيصاً لها. وشد الفيلم اعجاب المعلقين السياسيين ووصفوه بأنه ناجح ومثير, الملفت في الأمر ان اداء كلينتون التمثيلي كان رائعاً وتفوق خلاله على ممثلين محترفين حيث ان احداً لم يتمكن من توجيه الانتقادات اليه كممثل, بينما جوبه بانتقادات كثيرة كرئيس. يبدو ان ما يفصل كلينتون الممثل عن كلينتون الرئيس قناع فقط, والسؤال هل ينضم الرئيس بوش الى قافلة عولمة الرؤساء ايضاً؟