الآن, والقادة العرب مقبلون على عقد اجتماع قمة ماذا يترجون من إدارة الرئيس بوش؟ فالرئيس الأمريكي وكبار مساعديه تبرعوا مقدماً, ولم يتبق على عقد القمة العربية سوى أيام معدودات, بطرح علني لا يدع أي مجال للتأويل ولا أي هامش للمعاذير. قبل نحو أسبوعين أعلن وزير خارجية إدارة بوش من داخل الكونجرس الأمريكي أن رئيسه ملتزم بوعده الانتخابي بنقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس. لم يكن الجنرال كولن باول يثرثر في مقابلة تلفزيونية أو يتحدث في منزله إلى مراسل صحفي. كان باول يخاطب بأعلى درجات الرسمية الهيئة التشريعية العليا للولايات المتحدة. ومع ذلك ارتفعت أصوات رسمية في عواصم عربية لتتبرع بتفهيم الجمهور العربي بأن الوزير الأمريكي لا يعني ما يقول. وربما جاز استخدام هذه الحيلة قبل عقد أو عقدين قبل ثورة الاتصالات العالمية, ولكن أن تستخدم الآن والعالم كله صار مربوطاً بتقنيات الأقمار الصناعية للنقل التلفزيوني المباشر فإن هذا يعكس أين يقع النظام العربي الرسمي في هذا العصر. وكأنما أراد الرئيس بوش نفسه أن يدحض التفسير العربي الرسمي المغلوط عمداً لقول وزير خارجيته فأعلن بنفسه الأسبوع الماضي وهو يستضيف رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون, أنه حقاً ملتزم بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس. وزيارة شارون نفسها للولايات المتحدة جديرة بتوقف عربي. ابتداءً حرصت الإدارة الأمريكية الجديدة أن يكون رئيس حكومة إسرائيل أول زعيم شرق أوسطي تستضيفه.. وبعد ذلك لا قبله يمكن أن توجه الدعوة إلى زعيم عربي. وإذا كان القادة العرب لم يفهموا مغزى هذا المسلك الأمريكي أو لم يشاءوا أن يفهموا, فإن شارون بدوره تبرع بالشرح.. فأعلن على الملأ في ختام الزيارة انه (حقق كل الأهداف الرئيسية التي حددها لنفسه). وعلى رأس هذه الاهداف كما قال اتفاق إسرائيلي أمريكي على (مكافحة الارهاب) في الضفة وغزة.. أي قمع الانتفاضة الفلسطينية. وتعليقاً على الزيارة قال كولن باول ان الإدارة الأمريكية الجديدة تريد المحافظة على علاقة الولايات المتحدة مع إسرائيل كحليف استراتيجي بما في ذلك التزام واشنطن في المحافظة على التفوق العسكري للدولة اليهودية. وإذا كان مثل هذا القول الصريح ينطوي على إهانة مطلقة إلى الشعب الفلسطيني واستخفاف صفيق بالعرب جميعاً, حاكمين ومحكومين, فكيف تحاول دول عربية إقناع شعوبها بما تطلق عليه الصداقة الاستراتيجية العربية مع الولايات المتحدة؟ على أن باول لم يكتف بشرح الالتزام الأمريكي المصيري تجاه إسرائيل.. فأعلن ما تريده واشنطن من ما أطلق عليهم (العرب المعتدلين). فالمطلوب منهم, على حد القول الجريء للوزير الأمريكي, أن يكون اصطفاهم الى جانب واشنطن في اطار (الصداقة الاستراتيجية) موجهاً ضد العراق.. لا ضد إسرائيل. إن هذه الجرأة الأمريكية ضد الأمة العربية والأمة الإسلامية ليس لها سوى تفسير واحد وهو أن واشنطن واثقة من مدى قوة نفوذها على النظام الرسمي العربي. فماذا تتوقع السلطة الفلسطينية الآن وفي ظل هذه الإدارة الأمريكية الجديدة من واشنطن؟ لمدى ثماني سنوات كانت إدارة كلينتون السابقة تخادع الفلسطينيين على طول الخط بدور (الوسيط النزيه). لكن إدارة بوش الجديدة لا تعني حتى بادعاء دور وساطة مزيف. لقد نزعت إدارة بوش القناع ورمت بورقة التوت لتصطف إلى جانب حكومة شارون في إعلان حرب مكشوفة ضد الشعب الفلسطيني. وحتى لا تساور القادة العرب أي شكوك فإن إدارة بوش تكشف أوراقها عشية قمة عربية.