من يتطلع الى تجاوز القمة العربية بطموحه وتطلعاته يتجاوز واقعاً قائماً بكثافة يفرض نفسه على الحياة والأحياء بخشونة وقسوة, وهو محفوف بواقع سياسي واقتصادي وعسكري من حوله بما يشبه ثمرة ذات غلافين, الأمر الذي يجسد حقائق ذلك الواقع وأبعاده ومعطياته, ويجعل من الحكمة وبعد النظر التفكير في كيفية تقديم ما يساعد على مجاوزة الواقع وليس محاولة القفز من فوقه في جرعة وهم تُجرعنا البؤس والخيبة. ومن يغضبه ألا تستطيع القمة العربية المقبلة تحقيق ما يراه من أبسط الضرورات وأهمها للعرب وأكثرها إلحاحاً عليهم, يتجاوز واقعاً سياسيا عربياً تشكل القمة بابه ومفتاحه بوصفها ممثلة لأنظمة في أقطار عربية. ويبقى طموح من يطمح الى مجاوزة القمة, والى ان تتجاوز القمة نفسها والواقع الذي تشكله, وتستجيب ايجابياً لتحديات الواقع الذي يحيط بها وبالوطن العربي الذي تمثله, يبقى ذلك الطموح مشروعا ومرحبا بأحلامه وأوهامه اذا استطاعت تلك الأحلام والأوهام ان تدفع باتجاه ايجاد برزخ بين الحياة واليأس, ومعبر بين الطموح والواقع. والى ان تصبح احلامنا وأوهامنا, التي يضخها الطموح, ذات تماسك وحضور مؤثر وقادرة على ان تقدم مشروع واقع بديل, لا بد لنا من مخاطبة مؤسسة القمة والتوجه اليها والتعامل معها بأسلوب يفتح الأبواب الموصدة, أو يساعد على ان تكون مواربة أو ذات شقوق يصل منها الضوء والهواء نحو الداخل المحاط بأغلفة كثيرة وأقنعة وأشواك وقشور وشكوك.. حتى من الشمس والهواء وما يحملان في بعض الاحيان. وفي هذا الواقع الذي فيه القمة حقيقة في عمّان, والاحتلال الصهيوني حقيقة تدمي القلوب وتقتل الاطفال وتحاصر الناس وتجتاح النفوس بالوحشية في فلسطين, و(إيباك) (لجنة الشئون الأمريكية ــ الصهيونية) حقيقة ضاغطة ومؤثرة في واشنطن, والهيمنة الأمريكية على أنظمة عربية حقيقة صارخة في الوطن العربي, والحصار على العراق والجماهيرية والسودان حقيقة تلحق الخسائر والأذى والموت بالناس وبأشكال الحياة في تلك البقاع.. في هذا الواقع تعالوا ننشر مطالبنا ومشاعرنا في فضاء القمة, ونعلن بصوت ملايين الناس المنتمين المسئولين في الوطن العربي: اننا ننتظر من قمة المسئولية العربية في عمّان كوكبة من القرارات التي تأخذ طريقها الى التنفيذ, ولا تتلكأ وتموت في الأدراج, أو تميتها أقطار بحجة المصالح القطرية والتعارض مع السيادة الوطنية والقوانين النافذة, بعد أن تشنف أسماعنا بذكرها وترداد ذكرها في الاذاعات المسموعة, والمرئية ــ المسموعة. وإذا كانت حماية الشعب الفلسطيني من مسلسل الابادة البطيئة الذي ينفذ ضده, ماديا ومعنويا, يستوجب العمل على توفير الحماية له, وذلك مما نتطلع الى القمة لكي تعمل على توفيره, فإن حماية الانتفاضة واستمرارها وتقديم كل أنواع الدعم لها, بوصفها حقاً مشروعاً ومقاومة وطنية ضد الاحتلال, وأحد المداخل المشرعة فلسطينياً وقومياً على مستقبل التحرير والدولة المستقلة والعودة الشاملة للشعب الفلسطيني, إن العمل من أجل ذلك كله مسئولية قومية وتوجه جماعي على الأنظمة العربية أن تأخذ بهما وتعمل بوحيهما من دون مواربة أو مداورة. وإذا كان الحصار المفروض على العراق, مطلباً أمريكياً ــ صهيونياً مستمراً ومتجدداً, ويريد أن يصبح (حصاراً ذكياً) يحاصر النظام ويمنع التسلح ويتحكم بأموال البترول, ويتجنب موت الأطفال, بعد ان استمر (غبياً) لعشر سنوات مضت, وكاد يتهاوى باعتراف كولن باول, الذي يريد ان يمنحه الروح, ويتجنب حصد مئات آلاف جديدة من الارواح واماتة آمال ملايين العراقيين لسنوات مقبلة, فإن للحصار المفروض على العراق وجهاً عربياً, وتستطيع القمة العربية ان تنهي هذه الوجه العربي للحصار المفروض على العراق, كما تنهي وجهه العربي المفروض على الجماهيرية والسودان. ولكن هل تستطيع ذلك من دون مصالحة عربية عربية تقيم جسور ثقة بين العراق من جهة ودولة الكويت وبعض دول مجلس التعاون الخليجي من جهة أخرى؟! وإذا كانت الخطوات الشعارية والخطوات الدبلوماسية العربية تشير الى تقدم في هذا الاتجاه, بعد ان ادرج هذا الموضوع على جدول اعمال قمة عمّان, فهل الى ذلك من سبيل وديمومة من دون اجتثاث لأسباب الشك وانعدام الثقة وما يشكل عوامل خوف تستغلها الحركة الصهيونية والولايات المتحدة الأمريكية ابشع استغلال؟! وكيف يمكن أن نعالج هذا الوضع من دون أخذ حقائق الجغرافية بالاعتبار, ومن دون تفعيل حقائق التاريخ والانتماء القومي والإسلامي وإقامة الأمن المتبادل على أساس من الثقة المتبادلة؟! وعلى القمة العربية ان تأخذ بالاعتبار ان هذا الخلاف وعوامله العديدة بعيدة الأثر قد أخذ طريقه الى النفوس, وتعيش عليه وعلى تنميته شرائح بشرية تعمل في حقول الثقافة والاعلام والاقتصاد والسياسة, وبدأت تتعيش وتكوّن من يتعيش على هذا الخلاف. وأن القضية التي أحدثت شرخا عميقا في الشارع العربي منذ عشر سنوات تحتاج الى معالجة جذرية من جوانب اجتماعية ونفسية واقتصادية وليس مجرد علاج للقشرة السياسية على أهميتها وضروراتها, وأن عزل جوانب منها عن التأثير الأجنبي فيها هو من الأهمية بمكان لإنجاح العلاج. واذا كانت قضية فلسطين والصراع العربي ــ الصهيوني الذي يتصل بها, والحصار على العراق وليبيا والسودان, وكذلك التهديد الذي تتعرض له كل من سوريا ولبنان بسبب المقاومة ورغبة الاحتلال في تخويف من يدعمها ويتبناها, من الأمور المعقدة التي تتداخل فيها عوامل عربية واجنبية, وتحتاج الى زمن وعزم وحسم للخيارات من اجل معالجتها جذريا, فإن هناك قضايا يمكن النظر إليها على أنها عربية إجمالاً ويمكن أن تتخذ بشأنها ما يمكن ان يسمى قرارات سيادية, ومن ذلك التعاون العربي في المجال الاقتصادي ومجالات التنمية, واتخاذ الخطوات المؤدية الى قيام السوق العربية المشتركة, وضمان انعكاس المنفعة على المواطن العربي لتعزيز ثقته وتفعيل دوره في هذا الاتجاه. وكذلك العمل على احترام حقوق المواطن العربي في الوطن العربي, وحماية حرياته وكرامته, وإتاحة حرية العمل والتنقل له, وإيجاد السبل والوسائل التي تؤدي الى رفع مستواه المعيشي والعلمي والمعرفي العام, الذي ينعكس أمناً وتقدماً ونهضة عربية عامة, لا نظن ان من مصلحة حاكم أو نظام الوقوف ضدها. ولكن كيف السبيل الى تكوين حوض عربي عام يؤمن بذلك ويعمل له, في ظل خوف عربي عام من العربي: عاملا وعالما اذا ما تنقل في ارجاء الوطن العربي, وهجرة عربية مخيفة الى خارج حدود الوطن العربي تؤدي الى افتقار الوطن ماديا ومعنويا؟! المال الذي تكسبه لا يعود الى الوطن, والعلم العربي الذي تنتجه يصب في مصلحة أوطان أخرى, إن لم نقل في مصلحة من يعادي الوطن والأمة! كيف السبيل الى انشاء ثقة متبادلة على أسس ثابتة بين النظام العربي والمواطن العربي, وثقة متبادلة بين رأس المال العربي والنظام العربي؟! ولا نتكلم هنا عن ثقة المال المنهوب والسرّاق بالوطن الذي نهبوه.. فتلك خارج حدود المنطق والعمل الوطني عند من لا يرون في الوطن سوى بقرة حلوب تشخب اثداؤها في أحواض خارج جغرافيته. إن هموم الوطن والمواطن, في المجالات الاجتماعية والمالية والمعرفية العامة, وكذلك الحقوق والحريات, مما لا تعيره القمم العربية اهتماماً يذكر, في حين أنه من الأمور التي تهم الناس, وتستدعي الاهتمام بها من اجل التنمية وتعميق الوعي المعرفي والتحرير وحوار الحضارات وكل اشكال المواجهة للعولمة والغزو الثقافي و... الخ. إن تطلعنا الى القمة واقعي ومشروع وعملي, لأنها قمة المسئولية الرسمية, وأعلى سلطة في اتخاذ القرار, ورغبتنا في أن تعبر قراراتها عن ضمير الشعب وتطلعاته رغبة نابعة من الانتماء للوطن, والإحساس بما يعتمل في نفوس أبنائه, واستجابة لتحديات تطرح عليه منها: تحديات الاحتلال والعولمة والتقدم العلمي والتنمية التي ترفع وتائرها في مساحات جغرافية وبشرية بينما لا يواكبها في جغرافيتنا العربية مثل ذلك الارتفاع. إن عرض الحالة بقسوة نتوءاتها وحدة تلك النتوءات لا يرمي الى استفزاز من أي نوع, ولا الى تغييب للايجابيات بأي غرض, فما نسجل اعتراضاً عليه أو وصفاً له نقدمه لأهل القرار بوصفه معوقا او حالة تحتاج الى النظر فيها, وقد تكون هناك ظروف فرضتها ولكنها لا بد من ان توضع بمتناول المصلح والجراح وصاحب المسئولية والقرار. وحين تمر القمة أو القمم, على رغبات الناس وآرائهم ومعاناتهم, من دون ان تلحظها, او تقوم بتجاوزها تحت ذرائع شتى, فإنها تنمي ورما مهلكا في النفوس وفي طبقات المجتمع كلها. وحين يصل المجتمع العربي الى تراكم المعاناة سنة بعد سنة, وواقعة بعد واقعة, ولا يجد استجابة لطلباته وحلولا لمشكلاته, ومراعاة لما يعتمل في وجدان افراده, فإنه يصبح امام اختيارات حادة وشديدة. إن الحر هو الذي يشعر بالحاجة الى الحرية, ويفتقدها عندما تغيب, ويستشعر الضيق عندما يحد فضاؤها أو يضيق, أما البعد الذي أدمن العبودية أو أدخل في دائرتها وسدت عليه دروب الخروج من تلك الدائرة, فإنه يرضى من العيش بالأقل, ومن الحياة بالأذل, ومن الحقوق بلا شيء.. ولكنه إذا دعي الى التحرير والمكرمات وأفعال فيها تضحية من أجل انقاذ الأوطان والقيم والمقدسات والحريات.. فإنه يغرق في البلادة والعته, ويضيع في تيه لم يعرف عنه شيئاً ولا يرى منه مخرجاً, والاستثناء, إن وجد, فإنه لا يشكل قاعدة. من هنا تأتي أهمية مراعاة القمة التي تحرص على الأمة, والنظام الذي يحرص على الوطن, والحاكم الذي يحرص على المواطن, لمعالجة الشئون المتصلة بالانسان: المواطن.. وبالمواطن: الوطن والأمة, وتأتي أهمية الاستجابة لما يعتمل في وجدان الشعب وما يلهج به لسانه, وما يعبر عنه من يلتصقون بذينك الوجدان واللسان. وإذا كانت صحوة مواطننا.. انساننا.. في الوطن العربي والعالم الاسلامي اليوم تتصل بحماية انتفاضة الاقصى وضرورة دعمها بمختلف انواع الدعم, وحماية الشعب الفلسطيني, وتحرير الارض المحتلة: فلسطين.. كل فلسطين بما فيها القدس, والجولان وجنوب لبنان.. وحماية المقدسات من التهويد والتدنيس, ومساندة من يتعرض للتهديد من العرب.. ومحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة, وإقامة مراكز لتوثيق جرائمهم ضد أبناء الأمة العربية.. فإن ذلك دليل صحة وصحوة ونخوة.. وعلى الحاكم العربي أن يفرح بذلك وأن يستثمره: تنمية وجهاداً ومعرفة متقدمة في كل المجالات, وإبداعاً في العلم والتقانة والتقدم والدفاع. وكذلك الشأن فيما يتعلق بالحصار المفروض على العراق, وبالتعاون العربي بشكل عام, وبحريات المواطن وحقوقه ومناخ المواطنة السليم. إننا نتوجه الى قمة عربية.. ونتوجه اليها بصحوة ووعي وثقة وطموح وأمل كبير, ونريد أن نكون ملتصقين بالواقع, معترضين على السلبي فيه, وألا نحرم من الحلم ومن حقنا في أن تكون لنا أجنحة نحلق بها في الفضاء. فهل يرانا أهل القمة كذلك؟ أو هل يجعلوننا بنظرهم ونظر العالم كذلك, أم ينسون واجبهم تجاهنا وتضيع مشاعرنا وأصواتنا على أعتابهم فيدفعوننا في أحد بدائل شديدة ووعرة؟ إن أملنا أكبر من ألمنا.. هكذا كنا وهكذا سنبقى الى ان يشاء الله.. وهو على كل شيء قدير. رئيس إتحاد الأدباء والكتّاب العرب