بلغة الشعر.. الإبداع هو ذلك الانقلاب الحضارى المتواصل الذى تقوم به البشرية ضد نفسها دون عنف أو إراقة دماء.. هو ذلك الزلزال الانسانى الذى يأتى ويرحل تاركا وراءه قمحا ووردا وعرائس عنب ونغمة جديدة ولوحة صاخبة تتجاوز خطوطها وألوانها صمت الطبيعة وفكرة سحرية قد تأتى على غفلة تنقذ الناس من مرض عضال لا أمل فى القضاء عليه.. هو اليد المدهشة التى تعيد تشكيل الزمن وتعيد ترتيب الأشياء.. هو تذكرة السفر التى تسمح لنا بالتجول داخل أنفسنا واكتشاف أقاليم لم يسبق لنا اكتشافها والوصول الى أماكن مجهولة كان مستحيلا من قبل الوصول اليها. وبلغة القانون.. الابداع هو كل نتاج أدبى أو علمى أو فنى مبتكر مهما كان نوعه وأهميته وطريقة التعبير عنه.. إن شرط الابداع هو الابتكار.. ألا يكون تأليفا لما سبق تأليفه.. أو شرحا لما انتهى شرحه.. أن يكون نقيض النسخ والنقل والمحاكاة.. أن يعلن العصيان على كل الصيغ والأشكال السابقة التى أخذت بحكم الزمن شكل القدر أو شكل الوثن. وبلغة قانونية أدق.. الإبداع هو كل ما يخضع لقانون الملكية الفكرية.. وهو القانون الجديد الذى على المؤسسة التشريعية المصرية الانتهاء منه خلال أيام لا تزيد على أسابيع بعد أن وقعت مصر فى 20 مايو عام 1995 على اتفاقية (الجات GATT ) والاتفاقية المنبثقة عنها والخاصة بالملكية الفكرية والمعروفة اختصاراً باسم (تريبس TRIPS ) على أن يبدأ تطبيق القانون فى اليوم الأول من عام 2000 ولكن شيئاً (ما) مجهولاً.. لا نعرفه أجل مناقشة القانون وأهمله مدة طويلة كنا فى حاجة اليها حتى ندرسه ونفحصه ونضعه تحت جهاز الأشعة الخاصة بالمصلحة القومية.. وهو ما جعلنا نتسرع و(نتسربع) ونكاد ننكفئ على وجوهنا ونحن نحاول تعويض ما فاتنا.. وإن كنا لا ننكر أن جهات عديدة مثل وزارة العدل ومجلس الوزراء ومجلس الشورى حاولت ركوب القطار بعد أن تركت رصيف المحطة. إن قانون (الملكية الفكرية) هو أهم وأخطر قانون تصيغه المؤسسة التشريعية فهو سيجبر الدول النامية على أن تدفع حقوقا مالية طائلة مقابل كل الانتاج الفكرى الذى تنقله من الدول الكبرى.. وليس من السهل حصر مجالات الانتاج الفكري.. فهى تشمل ما نتصور.. وما لا نتصور.. من تركيبة قرص الدواء الى خريطة الطرق.. ومن براءات الاختراع الى شكل العلامات التجارية.. ومن نغمات الموسيقى الى الخلطات السرية للغذاء.. ومن برامج الكمبيوتر الى الهندسة الوراثية.. ومن المؤشرات الجغرافية الى الرسومات والنماذج الصناعية. إننا لا نستطيع بعد الآن ترجمة كتاب أو نقل جملة موسيقية أو تمصير نكتة أو نسخ برنامج أو انتاج دواء لم نتوصل اليه أو اقتباس تصميم لسنا أصحابه دون أن ندفع مقابل ذلك.. والمقابل ليس بسيطا كما نتصور.. والثمن الذى سندفعه ليس هينا كما قد يتبادر الى أذهاننا.. إن الولايات المتحدة تطالب الصين الشعبية سنويا بما لا يقل عن 30 مليار دولار مقابل برامج الكومبيوتر التى تستخدمها دون حماية.. وجنوب افريقيا غضبت وثارت وهددت بعدم تنفيذ الاتفاقية بعد أن اكتشفت أن أسعار الدواء ستتضاعف ثلاث مرات على الأقل فور تطبيق القانون.. وحسب تقرير أخير للبنك الدولى فإن تكلفة الصناعات الهندسية والالكترونية ستزيد بنسبة 63% على الأقل فى الدول النامية بعد أن تسدد مصانعها حقوق براءات الاختراع فى مكونات هذه الصناعات وهو ما يهدد قدراتها على التطوير والمنافسة.. الأمر الذى ينتهى بها الى الافلاس والاغلاق وتشريد 8 ملايين عامل سنويا على الاقل.. وهذه كلها نذير شؤم لرياح سوداء خانقة ستعصف بالدول النامية.. وما خفي كان أعظم. وهناك من يقول: إن اتفاقية التريبس هى طريق مزدوج.. وأن حقوق الملكية الفكرية والابداعية للدول النامية ستتوافر لها الحماية أيضا.. ومن ثم فإننا سنكسب ولو بقدر أقل مما سنخسر.. وهو قول ظاهره الرحمة وباطنه القسوة.. فحسب تقديرات البنك الدولى فإن حقوق الملكية الفكرية للدول الكبرى تستحوذ على 94% على الأقل.. و جملة ما ستجنيه من هذه الحقوق يصل الى ألف مليار دولار سنويا.. وهى تملك وسائل الضغط السياسية والاقتصادية والدولية لعقاب أى دولة لا تدفع ما هو مطلوب منها.. وهى تملك خصم هذه الحقوق من المعونة التى تقدمها أحيانا.. وهى تملك فروعا لشركاتها ووكلاء محليين يمكنهم متابعة هذه الحقوق.. كما أن حجم هذه الحقوق يغرى بالحصول عليه.. فمهما كانت التكلفة ستكون أقل مما ستحصل عليه. وقد بادرت الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية بتمويل مؤتمرات وندوات للمحامين فى كثير من الدول النامية لتدريبهم على تطبيق قوانين الحماية الفكرية.. كما أنها تكفلت بارسال عدد من ضباط الشرطة اليها لنفس الغرض.. بل انه لا مفر من الشك فى وجود (لوبي) خفى فى كثير من الدول النامية يعمل لصالح الدول الكبرى وشركاتها متعددة الجنسية ساهم بطريقة ولو غير مباشرة فى صياغة قوانين الملكية الفكرية المحلية.. فبعض هذه القوانين يغلظ العقوبات ويفرض الحبس والغرامة على المخالفين.. وهى عقوبة لا نجدها فى الاتفاقية الأصلية للتريبس التى تخير القاضى بين الحبس والغرامة.. فالعالم يميل الآن الى الإلغاء التدريجى للعقوبات السالبة للحريات.. على أن يكون البديل هو التعويض المادى عن أى تجاوز للقانون. أما الدول النامية التى لها حقوق فكرية فلا حول لها ولا قوة.. فلا هى تملك وسائل ضغط سياسية واقتصادية ودولية.. ولا هى تملك حقوقا فكرية بالحجم الذى تستطيع معه الانفاق المناسب للحصول عليها.. إن السفير الأمريكى فى أى عاصمة من عواصم العالم النامى يقدر على أن يحصل على حقوق نسخة واحدة من فيلم أمريكى مزور.. وهى قوة لا تتوافر فى سفير أى دولة من الدول النامية فى واشنطن لو أراد حماية نصف انتاج السينما فى بلاده.. كما أن هذا الانتاج كله لو سرق فى دولة كبرى فإنه لا يقدر على تحمل تكلفة التقاضى فى الدول الكبرى.. ومن ثم فإن اتفاقية التريبس فى الحقيقة وبصورة ربما مطلقة ضد مصالح الفقراء ولصالح الأغنياء.. ضد وجود الصغار على حسب توسع الكبار. والقانون الجديد الذى تأخرنا فى إدراك خطورته وتحديد مدى الكارثة التى سيسببها يتضمن 198 مادة.. وهو فى حقيقته ثلاثة قوانين فى مجلد واحد.. قانون يحمى براءات الاختراع ونماذج المنفعة والتصميمات التخطيطية للدوائر المتكاملة والمعلومات غير المفصح عنها.. وقانون يحمى حقوق المؤلف والحقوق المجاورة لها.. وهو ما يعنى أن كل القوانين السابقة المتفرقة لحقوق الملكية الفكرية قد تجمعت فى قانون واحد.. وهو ما يصفه بعض فقهاء القانون بخلط السمك على اللبن على التمر هندي.. أو خلط قانون يختص بعلامة تجارية بقانون يختص بسيمفونية موسيقية بقانون يختص بأجهزة طبية بقانون يختص بالصوبات الزراعية.. لكن.. ماذا نفعل ونحن فى عالم وحيد القوة ليس لنا إرادة فيه؟ ومهما تحدثنا عن ضرورة مراعاة المصالح القومية عند صياغة هذا القانون فإن حرية الحركة فى صياغة مواده محدودة.. وحدود المناورة فى التعامل معه ضيقة.. فكل الدول الموقعة على (الجات) عليها إرسال القانون الى المنظمة العالمية للملكية الفكرية المعروفة اختصار باسم الويبو WIPO لمراجعته وإقراره بحيث لا يتعارض مع الاتفاقية الدولية للملكية الفكرية.. أو التريبس.. ولمنظمة الويبو الحق فى اعادة القانون من جديد الى أى دولة اذا لم يعجبها القانون المحلى أو الوطني.. وعلى هذه الدولة أن تغير القانون حتى ترضى عنه الويبو و توافق عليه وتأذن بتطبيقه.. إن الويبو فى هذه الحالة أشبه بالمحكمة الدستورية العليا.. وهو ما جعل بعض الدول النامية تقصر الشر وتعفى نفسها من صداع الجدل والنقاش وتكتفى بترجمة اتفاقية التريبس وتعتبرها قانونا محليا يجب تطبيقه. وفى حالة مصر فإن على مجلس الشعب أن ينتهى من القانون فى أسرع وقت ممكن على أن يرسل الى الويبو لمراجعته وارسال ملاحظاتها عليه قبل يونيو المقبل.. وهو ما جعل معظم الهيئات المعنية وغير المعنية تسارع بمناقشة وتجهيز القانون بصورة تجنبنا ما يمكن تجنبه من خسائر.. فقد ناقشته لجان متخصصة فى وزارة العدل.. ووزارة الخارجية.. والمجالس القومية المتخصصة.. وأقره مجلس الوزراء قبل عرضه على مجلس الشورى.. وقد فاض مجلس الشورى فى مناقشته رغم أنه ليس من القوانين المكملة للدستور.. وأتاح مجلس الشورى الفرصة لعشرات الأعضاء لمناقشة القانون.. كما أن اللجنة العامة للمجلس عقدت جلسة خاصة حضرها وزراء الصحة (الدكتور اسماعيل سلام) والتعليم العالى والبحث العلمى (الدكتور مفيد شهاب) والتموين (الدكتور حسن خضر) والانتاج الحربى (سيد مشعل) والاتصالات (أحمد نظيف) وحضرها الدكتور سعد نصار نائبا عن وزير الزراعة.. وقد رأس الجلسة الدكتور مصطفى كمال حلمى وأدارها بهدوئه الشهير.. ونجح ببراعته المعهودة فى فض الاشتباكات الساخنة التى اشتعلت بين بعض الأعضاء وبعض الوزراء.. وقد تابعت المناقشات التى جرت على مقعد بعيد فى نهاية القاعة. وقد كشف الدكتور مفيد شهاب: إن القوانين فى مصر كانت باستمرار مواكبة مع حقوق الملكية الفكرية.. ولكنها المرة الأولى التى يجب أن يكون فيها القانون المصرى متوافقا مع الاتفاقيات الدولية.. وأضاف: إنه تشكلت لجنة فى وزارة العدل فى نوفمبر عام 1995 أى منذ أكثر من خمس سنوات لوضع القانون الجديد. ولم يتردد الدكتور اسماعيل سلام فى الاعتراف بكارثة ارتفاع أسعار الدواء فى مصر فور تطبيق القانون وبصورة تحرم أعدادا متزايدة من المصريين من حق العلاج.. كما أن الدواء المصرى لن تتاح له نفس الفرص المتاحة فى التصدير.. وهو ما جعله يقترح اضافة مادة للقانون تسمح بانشاء صندوق لموازنة أسعار الدواء القادمة. على أن تساهم فى تمويله شركات وهيئات مستفيدة من تطبيق القانون.. وستكسب الكثير من ورائه دون جهد اضافي.. وعندما جاء الدور على الدكتور سعد نصار قال: إن فكرة الصندوق هى فكرة توصلنا اليها فى وزارة الزراعة أيضا لموازنة أسعار البذور والشتلات المستوردة و التى ستزيد أسعارها بعد تطبيق القانون.. وهو ما يرفع تكلفة الزراعة وبالتالى سيرفع أسعار المحاصيل الزراعية التى يأكلها الناس.. وبالتالى يهدد مستوى المعيشة المنخفض بمزيد من الانخفاض.. وبالتالى يهدد صحة غالبية المواطنين.. وبالتالى يضعف قدراتهم على العمل.. لندخل فيما يسميه خبراء التنمية بالحلقات الجهنمية المفرغة للتخلف. ويبدو أن وزير الانتاج الحربى لم يقرأ بدقة القانون الذى جاء ليناقشه ويدلى برأيه فيه.. فقد تحفظ على تدخل القانون فى الصناعات العسكرية وهو تدخل بالقطع يهدد الأمن القومي.. ولم ينتبه الى أن القانون نفسه يعطى وزراء الدفاع والداخلية والانتاج الحربى الحق فى رفض براءة اختراع يتصل بشئون الأمن والدفاع. وكان من الطبيعى أن يتحدث وزير الاتصالات عن صناعة الاتصالات والمعلومات التى تعد الآن أكبر صناعة فى العالم.. وهى صناعة يسيطر عليها 10 شركات كبرى.. منها 6 شركات فى الولايات المتحدة وحدها.. ويصل حجم هذه الصناعة الى ألف مليار دولار سنويا.. وهى صناعة لا تعتمد على مواد خام.. ولا تعتمد على العناصر التقليدية لأى صناعة.. وإنما هى تعتمد على القدرات البشرية.. الفكرية والذهنية والابداعية.. وهو ما يعنى صعوبة حمايتها بصورة حاسمة وقاطعة.. فحتى الآن هناك مشاكل فى الدول الكبرى تتعلق بحماية وضع الأغانى والأفلام وشرائط الموسيقى على شبكة الانترنت.. وكيفية الحصول على هذه الحقوق.. وما لم يقله الوزير: أن القرصنة على حقوق الملكية الفكرية ليست قاصرة على الدول النامية وإنما هى موجودة أيضا داخل الدول الكبرى نفسها وبنسبة قد تصل الى 50% أحيانا.. وما لم يقله الوزير: أن مشروع القانون المصرى الخاص بحماية حقوق المؤلف قد زاد من مدة الحماية الى 70 سنة بينما لا تزيد مدة الحماية فى التريبس على خمسين سنة فى غالبية الأحوال.. فهل نحن أكثر تشددا من أصحاب الشأن؟.. كما أن فى نصوص القانون ما يوحى بالترويج التجارى وليس بالحماية الفكرية.. فالقانون يشترط مثلا الحصول على شهادة بالنسخة الأصلية لبرنامج الكمبيوتر ولكنه يعتبر البرنامج غير حقيقى لو ضاعت هذه الشهادة أو فقدت.. وهو كلام يستحق التوقف عنده خوفا من وجود شبهات خفية فيه. إن هذا القانون هو قانون القرن الجديد الذى دخلناه ونحن تحت سيطرة الأقوياء.. ولو كنا قد تأخرنا سنوات فى إعداده فلا مانع من أن نتأخر شهورا اضافية حتى نحاول تلافى أكبر قدر من الكوارث التى يحملها فى كل مادة وفى كل سطر.. بل وفى كل حرف.. كما أن علينا أن نبحث عن تنظيم يضم دول العالم النامى نحاول من خلاله ممارسة الضغوط على الأقوياء لتغيير الاتفاقيات الدولية فهى ليست نصوصا مقدسة.. وليست نصوصا سماوية.. خاصة وأن الجمعيات الأهلية فى الدول الكبرى تقوم بالمظاهرات وتقدم الاحتجاجات على هذه النصوص التى ستجعل الفقراء يموتون من الجوع والأغنياء يموتون من التخمة والشبع.. فلماذا نتركهم وحدهم يقاتلون معاركنا بينما نحن هنا قاعدون. كاتب مصري