من يطالع الاعلانات المروجة لاعادة إنبات الشعر سيعرف كم هو الانسان الأصلع مشغول بتاج جماله وسيحمد الله ان في رأسه شعراً يغنيه عن التوجه إلى مراكز اخصائية لزراعة الشعر أو استعمال أدوية تزيد نعومته وتكثر من بصيلاته. ولقد ظلت مشكلة الصلع تؤرق الأجيال الشابة الذين يفقدون شعرهم قبل بلوغ الاربعين مدة طويلة فمرة يضعون قبعة, واخرى يبعثرون شعرات اليمين على جهة اليسار وثالثة يضعون شعراً مستعاراً (باروكه) وهذه انقضى عهدها لانها باتت مخجلة ولا تتوافق بلونها الاسود الداكن مع بياض الشارب أو اللحية. غير ان الموضة الحديثة لقص الشعر أحيت آمال الصلعان بحقهم في التبختر بحرية امام المرآة بعدما حلت موسى الحلاقة مكان المقص التقليدي, وسرعان ما انتشرت هذه الموضة (حلاقة الشعر على الزيرو) بين اوساط الشباب واستوى امامها اصحاب الشعر الناعم والخشن والاصلع والاقرع والاسمر والاشقر حتى اختلط الامر على الحلاق المسكين الذين اصيب رزقه بالصاعقة بعدما اصبح كل موضجي يُقرّعْ رأسه بيده ولا يحتاج الامر منه سوى تجهيز شفرة ناعمة ثم يزلط شعره بالكامل في اقل من خمس دقائق وبعدها يغسل شعره كما يغسل وجهه ومن ثم ينتقي بذلة سوداء وقميصاً اسود وربطة عنق سوداء لا فوارق لونية بينها ويتوجه الى اقرب مقهى لتناول الآيس كريم أو الهامبورجر سعيداً بلمعان قرعته تحت اضواء براقة في شارع الرقة. ان انتشار موضة كهذه في الاونة الاخيرة ضرب صناعة الشامبو المنظف التقليدي المعهود للشعر, اذ لم يعد الموضجي بحاجة للشامبو ويمكن له ان يدلق قليلاً من معجون الحلاقة على رأسه او معجون الاسنان أو يكتفي برغوة صابون لوكس ليحصل على لمعة فائقة, وهذا يعني توفيراً اكيداً في استعمال منظف كيماوي له مضاره الصحية ويعني توفيراً في الكهرباء لعدم حاجته الى مجفف شعر أو الى كريمات مثبتة أو امشاط, اي هناك توفير كبير ينعكس ايجابا على اصحاب الدخل المحدود. وهذه الموضة تكاد تنفرد بهذه الخاصية بين كل موضات القرن العشرين لأنها لا تدفع المرء الى زيادة مصاريفه, مما يعني انها موضة ايجابية تستحق الاعجاب والدعاء لها بالاستمرار مدى الحياة. مخترعو الموضة لا يفكرون في الجوانب الاقتصادية, فهذه لا تعنيهم بشيء ولكنهم يفكرون بجوانب ابهارية أوغرائبية تثير الاسئلة, وكثيراً ما تكون الموضة في الأزياء للعرض فقط وليس للاستعمال, فهل شاهدنا احداً يرتدي قميصاً من الورق أو فستاناً من البلاستيك أو بنطالاً من الشيكولاته, عارضات الازياء يفعلن ذلك في دور العرض ولكنهن في حياتهن اليومية يلبسن ثياباً مثل باقي الناس ولا يأبهن للموضة, ولكن موضة الرأس الاصلع انتشرت مؤخراً كانتشار النار في الهشيم لأنها عزفت على وتر حساس في حياة الناس لانها غير مكلفة ولها جوانب ايجابية كثيرة وفوائد صحية متعددة حيث لاغبار يعلق بالشعر ولافوضى في التسريحة ولا رائحة زيت استوائي تفوح منه, واذا كان الشاب ذكياً يمكن له ان يستثمر صلعته في توليد الطاقة لانها لماعة وبيضاء وقليلة التضاريس, وهذا يعني قدرتها الاكيدة على امتصاص الضوء واعادة تصديره كعاكس طبيعي خاصة في الليل! اذن اسقط في يد مروجي انبات الشعر ولم تعد اعلاناتهم تجدي نفعاً واذا ارادوا ان يستمعوا الى نصائح عملية فعليهم التوجه الى اقرب صالون حلاقة حيث سيقول لهم بابو الحلاق: (حلاقة مافي فايدا نفرات كلو زيرو, لكن بابو مافي مشكل, بابو في مساج زين). وهذا يعني انه يدلّك الرأس بأصابعه المدربة, ولايتوانى عن سكب قطرات من زيت استوائي لسهولة انزلاق الاصابع فتصبح الصلعة لماعة جداً. اما رائحتها حدث ولا حرج. E-Mail:h-s-d@maktoob.com