يبدو الموقف السياسي الأمريكي الراهن محملاً بالعديد من الدلالات والمعاني التي تعكس بصورة أو بأخرى قرب أفول نجم هذه القوة العظمى التي تتصدر قيادة العالم منذ ما يزيد على ربع قرن من الزمان ، وحتى الآن وذلك على اعتبار أن عوامل الانهيار في الاتحاد السوفييتي كقوة عظمى وقطب ثنائي بدأت في الحقيقة منذ أوائل السبعينيات, وهذا ما أدركه مبكراً الرئيس المصري الراحل أنور السادات وصارح به الكاتب الكبير الراحل أحمد بهاء الدين الذي أسرّ به للكاتب الصحفي محمد عبدالمنعم ونشره في مقال له بجريدة (الأهرام) منذ عدة سنوات. وسيكون هذا الأفول الأمريكي الوشيك لصالح قوة أخرى ستتولى بدورها إدارة الصراع الدولي, وبالتالي سيتحول مركز الثقل السياسي العالمي المتمركز حالياً حول واشنطن إلى مكان آخر في القريب العاجل, وربما يكون ذلك خلال السنوات القليلة المقبلة ولن يتعدى ذلك بحال هذا العقد الأول (العقد عشر سنوات) من القرن الحادي والعشرين, وقد يكون المركز السياسي القادم في وسط المركزية الأوروبية في إحدى العواصم التاريخية المؤهلة لذلك كباريس أو برلين, أو قد يكون هذا المركز حول الصين كقوة دولية صاعدة, لكن هذا المركز لن يكون بحال حول موسكو أو لندن لأنهما غير مؤهلتين تماماً لهذا الأمر, وحتى لا يكون هذا الكلام من قبيل الخيالات والأوهام, أو الأمنيات الحسان أو أحلام اليقظة, أو موقفاً أيديولوجياً تجاه الرأسمالية الغربية التي تقودها أمريكا أو موقفاً عنصرياً من الغرب, دعونا نستطلع ملامح هذا الموقف كما بدا خلال الفترة الأخيرة. إن قراءة دقيقة للمشهد السياسي الأمريكي الراهن تبرز مدى الأزمة التي يعانيها هذا المجتمع والتي يمكن رصدها في مجموعة عوامل داخلية تتفاعل منذ فترة في رحم ذلك المجتمع متعدد الأعراق والانتماءات والمذاهب الفكرية والسياسية والدينية, هذا بالاضافة إلى ظهور عوامل خارجية أخرى متعددة ساهمت مع العوامل الداخلية في ظهور هذه الأزمة. وهذه العوامل يمكن رصدها على النحو التالي: العوامل الداخلية فيما يخص الوضع السياسي الداخلي فيمكن رصده من خلال: صعود شخصيات هزيلة وضعيفة إلى قمة الهرم السياسي في البيت الأبيض, تغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة للدولة, الاستسلام الدائم للجمعيات الصهيونية والضغوط الاسرائيلية وإفساح المجال لتلك الشخصيات لرسم سياسة الدولة الخارجية وخصوصاً ما يتعلق بالصراع في الشرق الأوسط, ظهور تناقضات صريحة علنية وقوية لأول مرة داخل المجتمع الأمريكي كما حدث في الانتخابات الأخيرة, وأخيراً بروز نزعة استقلال لدى بعض الولايات. أما فيما يخص العامل الأول وهو صعود رجال من الدرجة الثانية والثالثة وتصدرها المسرح السياسي في البيت الأبيض, فيمكن إرجاع ذلك إلى نجاح أمثال الممثل السينمائي رونالد ريجان والشاب بيل كلينتون الذي لم يستطع التحكم في نزواته العاطفية داخل البيت الأبيض وفي أوقات العمل الرسمية صاحب فضيحة (مونيكا جيت) والتي لم تكن الأولى في سلسلة نزواته وكانت مثار التحقيقات وهددت وجوده في الحكم وقد بذل كل ما في وسعه قبل الخروج من البيت الأبيض حتى لا تلاحقه هذه الفضائح مرة أخرى, وربما بلغ هذا التدهور مداه في نجاح الفتى المدلل جورج بوش الابن الرئيس الحالي, والذي أحاطه والده بمجموعة من المخضرمين الذين عملوا معه من قبل, لكن يبقى أن نشير إلى أن نجاح مثل هذه الشخصيات الضعيفة التي لا تستطيع اتخاذ قرارات بمفردها يضعف هيبة أمريكا كدولة عظمى تستحق قيادة العالم. وفيما يخص الانسياق وراء المصالح الشخصية وتغليبها على المصلحة العامة يكفي أن نشير في هذا الصدد إلى فضيحة رئيس مجلس الشيوخ السابق السيناتور الجمهوري نيوت جنجرتش الذي استغل مركزه السياسي في تحقيق مكاسب شخصية كانت وراء غيابه من المسرح السياسي فاضطر إلى الانسحاب بعد ظهور أن زوجته كانت تعمل لدى احدى المؤسسات الصهيونية بمرتب ضخم وبالتالي كان مسخراً لخدمة المصالح الصهيونية, مما أفقده مصداقيته واحترام مواطنيه فاضطر إلى الانسحاب والهروب, وربما هذا ما نلمسه أيضاً في تصريحات هيلاري كلينتون أثناء حملتها الانتخابية للكونجرس ومحاولة استمالة اليهود إلى صفها فأخذت تتنصل من تصريحاتها السابقة المؤيدة للحق الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة. ثم خضوع المؤسسة السياسية الأمريكية خضوعاً كاملاً للإرادة الصهيونية ينفذون مطالبها ويسعون إلى خطب ودها ويحاولون إرضائها بكافة السبل مما أفقدها مصداقيتها في نظر العديد من الدول, وهذا لم يكن موجوداً من قبل. وهنا نشير على سبيل المثال إلى موقف الرئيس الأمريكي في فترة العدوان الثلاثي على مصر الذي أرسلت اليه المنظمات الصهيونية رسالة تذكره فيها أن الانتخابات الأمريكية بعد شهرين وأنه في حال ادانة العدوان في مجلس الأمن ستقف تلك المنظمات ضده, إلا أنه احتراماً منه للشرعية الدولية كرئيس لدولة عظمى صوت ضد العدوان ولم يخضع لضغط تلك المنظمات, ويمكن رصد هذه الظاهرة منذ وصول السياسي اليهودي المخضرم هنري كيسنجر إلى وزارة الخارجية الأمريكية في أوائل السبعينيات. إلا أن هذه الظاهرة تفاقمت في الفترة الأخيرة خلال حكم كلينتون فكان أهم الشخصيات في إدارته من اليهود: وزراء الخارجية والدفاع والأمن القومي وجميع العاملين في الإدارة الأمريكية فيما يخص قضية الشرق الأوسط, لدرجة أن السفير الأمريكي لدى تل أبيب كان يتجسس على أمريكا لصالح اسرائيل. إضافة إلى ذلك ظهور الخلافات الداخلية بصورة علنية وسافرة لأول مرة داخل المجتمع الأمريكي وقد تجلت بصورة واضحة في الانتخابات الأمريكية وانقسام الشارع الأمريكي ودخول الرئيس الجديد إلى البيت الأبيض وهو مهيض الجناح ومشكوك في مصداقية نجاحه, مهتزاً وغير قادر على الإمساك بقوة بأوراق اللعبة السياسية في يده. وأخيراً وليس آخراً تتبدى ملامح هذه الخلافات الداخلية من خلال نزوع بعض الولايات إلى الاستقلال كدول مستقلة بعيدة عن بقية الولايات وهو أمر موجود منذ سنوات وتطمح اليه العديد من الولايات الغنية ذات الحجم والمساحة الكبيرة مثل كاليفورنيا. العوامل الخارجية وإلى جانب هذه العوامل الداخلية التي لا يمكن اغفالها والإقلال من شأنها ظهرت في الفترة الأخيرة مجموعة عوامل خارجية أثرت بشكل مباشر على مكانة امريكا كدولة القطب الواحد, وهذه العوامل يمكن بلورتها فيما يلي: بزوغ حركة تمرد حول العالم ضد الغطرسة الأمريكية التي تبدت سافرة مغلبة الذاتي على الموضوعي مما دفعها امام الاصرار الدولي للتراجع عن كثير من القرارات التي لوحت بها من قبل كاستخدام الفيتو في مجلس الأمن أو الأمم المتحدة وقد ظهر ذلك جلياً في عدم استخدام الفيتو والاكتفاء بعدم التصويت على ادانة اسرائيل في موضوع تشكيل لجنة دولية لتقصي الحقائق في الأراضي الفلسطينية المحتلة. تناقض القول والفعل مما أضاع هيبتها ومكانتها بين دول العالم ولم يعد العديد من الدول يقتنع بمصداقيتها وبمدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها وعلى جديتها كقوة عظمى تتحكم في إدارة الصراع العالمي باعتبارها القوة الأوحد, وهذا ما نلمسه من خلال مطالبة الجماهير اليابانية أخيراً بإنهاء القواعد الأمريكية بالجزر اليابانية وخروجهم في مظاهرات للمطالبة بذلك. واعتراض العديد من الدول المحايدة على كثير من قراراتها وسياساتها ومنها ضربتها الجوية الأخيرة ضد العراق والمطالبة بإنهاء الحصار على الشعب العراقي الذي يعاني منذ أكثر من عشر سنوات من جراء هذا الحصار الظالم ولجوء أمريكا وتابعتها بريطانيا إلى حيلة سخيفة لحفظ ماء الوجه وهي العقوبات الذكية أو الغبية كما وصفها بحق المسئولون العراقيون. كل هذه العوامل وغيرها أثرت سلباً على الوضع السياسي الراهن لأمريكا كدولة القطب الواحد وهزت مكانتها كقائدة وموجهة للسياسة العالمية, ويؤيد ما افترضناه في صدر هذا المقال بقرب الغروب الأمريكي الذي يتوقف من وجهة نظرنا, ليس فقط على هذه العوامل الداخلية والخارجية, ولكن ربما بصورة أكبر على ظهور البديل الذي سيحل محله والذي يتشكل الآن في رحم الغيب سواء كان بديلاً أوروبياً أو صينياً. * كاتب مصري ــ جامعة الإمارات