في كلمة واحدة لخص رئيس بلقاني رؤية أوروبا نحو مستقبل منطقة البلقان. قال: (نحن لا نريد طالبان أخرى في منطقتنا). ومغزى هذا التصريح يزداد وضوحا إذا استحضرنا إلى الذهن المشهد الذي يتفاعل حاليا في جمهورية مقدونيا حيث تدور اشتباكات مسلحة بين الجيش الحكومي ومقاتلين مقدونيين من ذوي الأصل الألباني. فالجيش الحكومي يمثل الأغلبية المسيحية في مقدونيا بينما يمثل الطرف الآخر الأقلية المسلمة الألبانية هناك. وهكذا تشتعل كوسوفو أخرى لتؤكد أن ما يجري بطول منطقة البلقان وعرضها هو في الحقيقة صراع أوروبي بين أغلبيات مسيحية تمارس القهر على أقليات مسلمة. إن من الواضح أن هناك تفاهما ضمنيا بين القوى الدولية, بما في ذلك روسيا, على عدم تمكين مسلمي البلقان من اقامة كيان دولة مستقلة. عند هذه النقطة يلتقي الأوروبيون حكومات وشعوبا من بروتستانت وكاثوليك في أوروبا الغربية وأرثوذوكس في أوروبا الشرقية كجبهة موحدة ضد احتمال تكتل إسلامي في القارة يمكن أن يمهد مستقبليا لقيام دولة أوروبية إسلامية. من هذا المنظور نفهم ما يجري الآن في مقدونيا. إن مسلمي مقدونيا من ذوي الأصل الألباني يمثلون ثلث اجمالي السكان. وقد لجأوا إلى تكوين (جيش تحرير) وحمل السلاح وتبني أجندة انفصالية, لانه بعد عشرات السنين من الاضطهاد والتمييز لا يزال تحقيق المساواة بينهم وبين المواطنين المسيحيين أمرا بعيد المنال. وتقيم غالبية ذوي الأصل الألباني في شمال البلاد في اقليم حدودي ملاصق لكوسوفو الألبانية المسلمة. وبالتالي يتخذ (جيش التحرير) الألباني المقدوني من أرض كوسوفو وأهلها قاعدة للانطلاق عبر الحدود. والهدف بعيد المدى بالطبع هو فصل الاقليم المقدوني الحدودي, وعاصمته تيتوفا ليكون مع كوسوفو دولة مستقلة للمسلمين الألبان على جانبي الحدود. وهذا هو (الخطر) الذي يرى فيه المسيحيون في البلقان ومن ورائهم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا قيام (طالبان) أوروبية. من هنا نفهم لماذا نعت خافيير سولانا مفوض الشئون الخارجية للاتحاد الأوروبي مقاتلي (جيش تحرير) ألبان مقدونيا المسلمين بأنهم ارهابيون. فقد حث سولانا في تصريح علني حكومة مقدونيا على ألا تتفاوض مع (الارهابيين). وقد يبدو هذا الموقف غريبا إذا أعدنا إلى الأذهان موقف الاتحاد الأوروبي والغرب عموما تجاه أقلية ألبانية انفصالية أخرى.. وهم ألبان كوسوفو. فالغرب اعتبرهم هدفا لعدوان صربي, وبالتالي اعتبر نضالهم ضد الصرب مشروعا.. بل وشن الحلف الأطلسي حربا جوية ضد يوغسلافيا الصربية تضامنا مع ألبان كوسوفو. غير ان الهدف الاستراتيجي للغرب تجاه قضية كوسوفو لم يكن انقاذ الألبان المسلمين بقدر ما كان منع انفصال اقليم كوسوفو في يوغسلافيا الصربية حتى لا يقوم كيان دولة مسلمة مستقلة في الاقليم. والدليل على ذلك هو ما نراه الآن بعد أن هزمت يوغسلافيا. فالاقليم انتقل من حالة استعمار صربي إلى حالة استعمار غربي باسم الأمم المتحدة. فالاقليم تقوم على حكمه إدارة دولية مدعومة بقوات عسكرية غربية تحمل راية الأمم المتحدة. والآن ما هو احتمال نجاح ألبان مقدونيا في الانفصال؟ يجب أن نقر انه احتمال ضئيل النجاح.. لانه ليس من المتصور أن يستطيع (جيش تحرير) ألبان مقدونيا الصمود لمدة طويلة في وجه جبهة مسيحية عريضة تضم كافة القوى الدولية في الغرب والشرق. لكن ليس معنى هذا ألا تبقى منطقة البلقان مشتعلة لأجل غير مسمى.