عندما وصلت السيدة (مارجريت تاتشر) ابنة تاجر البقالة, أي ذات الأصول المتواضعة, إلى زعامة حزب الأرستقراطية البريطانية (حزب المحافظين), اعتقد الكثيرون أن تغييرا جريئا حدث في هذا البلد العريق, الذي يضع التقاليد فوق كل اعتبار, إلى درجة أن القضاة والمحامين يرتدون في قاعات المحكمة ملابس وشعراً مستعاراً ينتمي في تقليده إلى قرون مضت, فيبدون كممثلين في مسرحية هزلية مثيرة للسخرية, ولا يزال البرلمان يقف في احترام وإجلال لصولجان ضخم يضعه الحاجب على رأس المائدة, فيسود صمت لحظة دخوله ولحظة خروجه, وكأن الملكة حاضرة والطير على رؤوس الأشهاد. لكن تلك المرأة التي جلست على كرسي زعامة (حزب المحافظين) كانت رأسها تغلي بما هو أكثر تطرفا في المحافظة على تقاليد البلاد من حزبها, بل والملكة نفسها, بل زادت على هذا الكثير, فتطرفت في كل شئ, من أول السياسة إلى الاقتصاد, أو العلاقة مع الولايات المتحدة, والتي تحولت بفضلها البلاد من أم للولايات المتحدة الأمريكية إلى تابعة طيعة تلبي لطفلها العابث كل ما تشتهيه نفسه. هوس الاختلاف في علاقتها مع دول الاتحاد الأوروبي عادت إلى التاريخ لتعلن عن نقاط الخلاف اكثر مما تعلن عن نقاط الالتقاء, ووصلت في تعصبها لتقاليد طبقة زوجها, وطبقت هذا على توجهها نحو أوروبا, فجعلت من بريطانيا جزيرة حقيقية منعزلة عن جيرانها لا لسبب سوى أن بريطانيا (مختلفة ). وكان سلاحها في كل هذه المعارك الحفاظ على القديم, وهدم كل ما يمكن أن يدفع بالبلاد إلى تطور حقيقي يوقظ بريطانيا العظمى من عظمة الماضي تلك, ويفتح عينيها على حقيقة أنها لم تعد لها سيادة في أي مكان إلا في كتب التاريخ. استخدمت كل أنواع الأسلحة, المسموح بها والمحرم استخدامها, أثناء حربها الصليبية ضد كل ما يمكن أن تشتم منه رائحة إخراج بريطانيا من تقاليدها, وتنبيهها إلى أنها أصبحت دولة مثلها مثل أي دولة غيرها في الغرب الأوروبي, وانه لا بُدّ آت اليوم الذي ستكون في حاجة فيه إلى دعم الدول الأخرى التي يتكون منها الاتحاد الأوروبي. نجحت في أولى خطواتها في القضاء على النقابات العمالية, بالطبع بمساعدة الجيش, بعد الإضراب الشهير لعمال الفحم, وخرجت من معركتها هذه منتصرة بفضل خداع الجماهير بعكس ما كانت تطالب به تلك النقابات, وحملتهم مسئولية إغلاق العديد من الشركات العامة بدعوى إفلاسها. تحت هذه الدعوى زينت للجماهير مزايا التحول من الملكية العامة لكثير من الخدمات إلى الملكية الخاصة, من خلال تفكيك القطاع العام وبيعه بالقطعة في بورصة الأوراق المالية, فتحول الناس جميعا إلى ملاك في قطارات السكك الحديدية, ومناجم الفحم ومصانع لا حصر لها, وبفضل هذه السياسة نشأت طبقة جديدة في المجتمع البريطاني, لا هي بالطبقة الأرستقراطية, ولا هي بالطبقة المتوسطة, طبقة بين بين, أي ينطبق عليها مسمى (الطبقة التي رقصت على السلم). كانت هذه الخطوة بداية ما يسمونه الآن بعمليات التخصيص, أو الخصخصة, لكن على طريقة الملكية العامة ملكية خاصة في يد الشعب, والرابح النهائي ليس من يملك الأسهم, لأن ملاك الأسهم في تلك الشركات كثيرون ويعدون بالملايين, بل الرابح هم المديرون, الذين ينتمون في النهاية إلى طبقات محددة, ولهم توجهاتهم السياسية, التي لا تختلف في شئ عن توجهات السيدة تاتشر, بل وينتمون إلى طبقتها وحزبها. كانت الجماهير تعتقد اعتقادا خاطئا إنها أصبحت تملك, ويمكنها أن تتفاخر بامتلاكها اسهما في كل الشركات التي كانت في يوم ما ملكية عامة, لذلك استمر حكمها الفترة التي استمرت والتي أمكنها أن تكون أطول فترة حكم لحزب واحد تحت زعامة واحدة في أوروبا, لم يتفوق عليها فيه سوى (هلموت كول) في ألمانيا. صمت مريب بعد ابتعادها عن كرسي زعامة حزب المحافظين في معركتها التي خسرتها أمام زميلها اللدود (هزلتاين) لصالح جون ميجور, وبكت وقتها دموعا لا تبكيها سيدة عجوز طلقها زوجها بعد طول زواج, كانت تحاول أن تخرج إلى الأضواء بزج نفسها بمناسبة وبدون مناسبة لتقول: (أنا هنا). بل زادت على هذا في ظهورها كلما دعت الحاجة للهجوم على أوروبا والتأكيد على تفرد بريطانيا, حتى بعد أن بدأت الأصوات المعارضة للانضمام الكامل لأوروبا تخفت تحت ضغط الامتيازات التي بدأ يتمتع بها سكان أوروبا الموحدة, وبدأ المواطن البريطاني يشعر بالحاجة إلى الاستمتاع بتلك الامتيازات, وخاصة العملة الموحدة التي توفر له ماديا ميزة التعامل بالعملة نفسها في أي بلد يزورها, لأنه في هذه الحالة سيعفى من مصاريف تغيير العملة عند انتقاله من بلد إلى آخر, وهي ليست قليلة, خاصة أن التنقل للعمل أو الترفيه اصبح أمرا شائعا اليوم بين سكان كل أوروبا. لكن لم تظهر السيدة الحديدية كما كانوا يطلقون عليها خلال الفترة الأخيرة, وهو أمر يثير الدهشة, فالبلاد تتعرض لأزمة اقتصادية لا يمكن وصفها إلا بالكارثة, فبعد (جنون البقر) جاءت (حمى) الغنم والماعز والخيول, بل والدجاج في بعض الأقوال بعد أن أصاب المرض كل حيوان أو طير يسير على قدمين أو أربع, ويتغذى على أعلاف مخلوطة ببقايا الحيوانات. ولم يسمع لها أحد صوتا بعد الكوارث المتعددة التي مني بها مستخدمو الخدمات العامة, وبشكل خاص السكك الحديدية التي تحولت بفضلها من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة, أو المستشفيات التي اصبح من المعتاد مطالعة فضائح أطبائها على الصفحات الأولى للصحف العالمية, بعد أن تحول هؤلاء الأطباء من مهنة الطب, إلى التجارة في أعضاء مرضاهم, خاصة الأطفال منهم, دون علم ذويهم. هذا الصمت من وجهة نظر من يتابعون الشأن البريطاني له ما يبرره, فهذه السيدة التي اعتلت الطبقة الأرستقراطية لتصل إلى قمة الهرم السياسي, لتكون رئيسة للوزراء, ومن بعده السلم الاجتماعي بحصولها على لقب (بارونة), تلك السيدة مسئولة مسئولية مباشرة عن الكوارث التي حلت وتحل وستحل بالاقتصاد البريطاني, من جنون البقر وحمى الغنم والماعز والخيل, وحتى كوارث القطارات والمستشفيات. كانت سياستها الأولى في العالم التي اتجهت إلى الخصخصة لا لشيء سوى أنها ترى أن عامة البشر لا تستحق التمتع بتلك الخدمات العامة مجانا, ومن يريد عليه أن يدفع الثمن, وحتى تتمكن من تمرير تلك السياسة اخترعت بيع جزء من تلك القطاعات في البورصة لإيهام من يملك سهما منها أنه يملك إدارتها, وتلك أكذوبة كبرى, لأن الإدارة الحقيقية في تلك القطاعات الخدمية (المخصخصة) لرؤوس الأموال التي امتلكت الجانب الأكبر من تلك الشركات, وتستخدم أموال صغار المستثمرين في تسيير تلك الشركات مقابل عائد بسيط يتم استقطاعه من الأرباح الضخمة التي كانت تحققها تلك الشركات بعد رفع أسعار خدماتها, وعدم دعم تلك الخدمات بما تحتاجه من عمليات إحلال وتجديد, فكانت النتيجة تلك الكوارث التي تحل بمستخدمي القطارات والمستشفيات وغيرها من الخدمات العامة. المعجزة الوهم بالنسبة لجنون البقر, هذا المرض ظهر في بريطانيا قبل أي دولة أخرى, نظرا لريادتها في استخدام الأعلاف المصنوعة من بقايا الحيوانات المذبوحة, لأن بريطانيا كانت رائدة في هذا التصنيع, وكان مربو الحيوانات فيها أيضا لهم الريادة في اكتشاف تلك الأعلاف التي تساعد على التسمين السريع, مما يدر عائدا اكبر من الحيوانات التي تأكل الأعلاف التقليدية. وعندما ظهرت بوادر (جنون البقر) أخفت حكومتها وحكومة خليفتها المحافظ جون ميجور الحقيقة عن الجماهير, وظل الأمر طي الكتمان بدلا من الإعلان عنه بحثا عن علاج من خلال التعاون مع بقية قطاعات المجتمع الأخرى للقضاء على مسببات هذا المرض. عندما تم الإعلان عنه كان قد وصل المرض إلى حد الوباء, ولم يعد من الممكن وقف نموه وانتشاره, فلم تحل الكارثة ببريطانيا وحدها, بل تعدتها إلى العديد من الدول الأوروبية التي خدعتها حكومة تاتشر وباعت لها أعلافا مسببة لأمراض قاتلة مثل جنون البقر دون تحذيرها. المرض الجديد الذي يطلقون عليه اسم "الحمى القلاعية" وما يخلفه من كوارث اقتصادية على الريف البريطاني, ليس سوى كارثة جديدة من سلسلة الكوارث التي نتجت عن سياسة اقتصادية كل همها تحقيق اكبر قدر من الربح بغض النظر عن النتائج التي يمكن أن تنتج عنها بعد حين من الزمن. من هنا كان صمت السيدة تاتشر وغيابها عن الساحة, وهي التي كانت تتحين الفرص لممارسة هوايتها في (فرد عضلاتها) ليس فقط ضد الدول الأوروبية الأخرى, أو المعارضة العمالية, بل كانت تمارسها ضد زملائها من حزب المحافظين الذين لم تغفر لهم تخليهم عنها بعد أن مكنتهم من البقاء في السلطة لسنوات طويلة. من يعيش في بريطانيا هذه الأيام يلفت نظره هذا الصمت أمام مشهد يومي مرعب يظهر على شاشات التليفزيون, ويغطي مانشتات الصحف الرئيسية كل صباح: (حرائق يرتفع دخانها في كل الحقول البريطانية), من أقصى شمال الجزيرة إلى أقصى جنوبها, عزل لسكان القرى عن المدن, حظائر تراكمت فيها جثث الأبقار والغنم, وأصحابها يتلبسهم اليأس في انتظار سحبها لتضيف إلى تلك الحرائق حرائق أخرى, فنادق خالية يقف أصحابها على أبوابها والدموع في عيونهم وبعضهم يبكي كالأطفال, ينتظرون زوارا لا يأتون, ولا أمل في أن يأتوا, مدارس ريفية مغلقة, عزل لكل ما هو بريطاني عن أوروبا, ومعاملة القادمين منها وكأنهم مصابون بالجذام أو البرص, وعليهم اتباع أوامر رجال الجمارك بالتطهر عبر (مشايات من المحاليل المطهرة), التي تمتد على ارض كل مطار وكل مدخل بري أو بحري. كل هذا يجري والسيدة الحديدية التي كانت تتباهى بأنها صانعة المعجزة الاقتصادية البريطانية مختفية عن الأنظار, بعد أن تبين أن معجزتها كانت وهما, ولم تكن سوى (خبز لليوم وجوع وكارثة للغد). * كاتب مصري مقيم في إسبانيا