قد يبدو غريباً في نظر كثيرين ممن فارقتهم القدرة على الدهشة والتساؤل وصولاً للحقيقة, التذكير بأن الاحتفال بعيد الأم يوم 21 مارس من كل عام, مجرد تقليد غربي, أفرزه العقل الامريكي (البرجماتي)، وسط مجتمع غارق حتى نخاعه في الماديات, ويتحول فيه الانسان الى (شيء) مفرغ من المضمون الروحي تحت وطأة النزعة الاستهلاكية وغريزة القوة والسعي للتملك, وتقف دائرة وعي افراده عند حدود جلودهم, ولا يدركون ان العالم ارحب واوسع, وان التاريخ ضارب بجذوره ابعد من القرنين عمر تلك القارة الامريكية. ولأن الحضارة الغربية عموماً, والامريكية خصوصاً, غارقة في أوهام العولمة, وأنماط ما بعد الحداثة من سلوكيات, فإن اختراع الاعياد يعتبر تعويضاً عن قيم غائبة ومفقودة, ففي تلك المجتمعات, فقدت الاسرة هيبتها, وتماسكها, ولم تعد كما كانت النواة الاجتماعية الحية للمجتمع, والأساس والركيزة لنشوء وتطور مجتمعات تتمتع بعافية أخلاقية, وتنشر روابط وسياجاً تحمي ابناءه من مخاطر الانحراف, والتقاتل والعنف وحتى الغرق في مستنقع لا قرار له من ادمان المخدرات والعنف والتحلل من كل قيمة. وهكذا يحتفل الامريكيون والغرب بعيد للأم, رغم افتقار ملايين الامهات للمسة حنان ووفاء حقيقية, او قبلة من فم ابن ليد أم حانية, سهرت على وليدها الليالي, وفارقت فراشها قائمة لتلبية مطالبه وهو في مرحلة الدرس, او سالت دموعها لتمسح عن جبينه اوجاع مرض عارض ألم به. ومع هوس الاحتفالات والأعياد يغيب المعنى الحقيقي للوفاء للأم, ورد الجميل للأمهات وهن في مرحلة الشيخوخة بعد رحلة دائمة من العطاء والتفاني, بذلن خلالها رحيق وعصارة شبابهن وعمرهن من اجل ابنائهن. وحتى لا يكون الحديث مرسلاً بلا شواهد, يكفي ان نتابع المسلسل اليومي لفجائع الحياة في الغرب, لأمهات عجائز, يقضين اواخر أيامهن في دور للمسنين, ولا تكتمل عيونهن برؤية فلذة الكبد الا يوماً في العام عندما تنصب الاحتفالات بعيد الأم. وربما يرى البعض في دفاعنا عن قيم ديننا وحضارتنا العربية, نوعاً من التخلف, لكن متى يمكننا معاداة الحقيقة الواضحة تحت ضغط نفاق ومجاراة ما هو سائد بفعل العولمة؟. وهل بإمكان احد انكار أن الأم لم تلق تكريماً انبل مما كرمها به الاسلام؟ ووضع الجنة تحت اقدامها, وامر الابناء بالطاعة والسهر على راحة وسعادة الأم كل لحظة, وليس في يوم واحد من العام.. لهذا ينبغي ان تبقى الأم في قلوبنا على مدار العام, متوجة بمكانتها كست الحبايب, وليس على طريقة قطة العولمة التي أكلت أولادها.