المرأة التي ارتحل معها مكسيم غوركي في روايته الشهيرة التي ملأت اصداؤها الدنيا (الام) امرأة انحنى ظهرها وهي تحمل هموم ابنائها, تراهم في فوهة الخطر تلحقهم بعينيها, وحينما يغيبون عنها تفتش الدار عن تفاصيل اصواتهم وأنفاسهم متكئة على عكاز الانتظار تنهش قلبها الظنون, هي ام موجودة في كل بيت, وفي كل قرية.. انها دائماً ترتب الوقت والامكنة لأطفالها الذين طاولت قاماتهم قامتها, لكن لانها مسكونة بذلك السحر والدفء هي الاكثر احتمالاً للاحتمالات. والمرأة التي تنجب اطفالاً ليصبحوا رجالاً موهوبين للموت من اجل حق ومبدأ هي المرأة التي نشاهد عينيها اليوم عبر شاشة التلفزيون وفي صور الجرائد والمجلات محمرة بلون الفجيعة, والمرأة التي تلوح بعلامة النصر في قرية فلسطينية هد العدو بيتها وصعق أطفالها بالكهرباء في السجون, ومزقت جثة زوجها القذائف هي الأم التي يجب ان نحتفل بها اليوم وغداً وبعد غد. والمرأة الأم التي تعتصر صدرها من اجل قطرات حليب من ثدي يابس جففته المجاعة والعطش في العراء, والاخرى التي تنزف دماً بجانب طفلتها المصابة بالسرطان من سموم المعارك, والمرأة الأم التي تلقن اطفالها الصدق والحقيقة وملايين الامهات المشابهات كلهن يحتجن ان نحتفي بصمودهن اليوم, لكن ماذا حول الحقائق؟ في دراسات واحصاءات المنظمات العالمية المهتمة بشئون الانسان شيء يقلق الظن في سلامة هذا الكوكب, وفي فعل الانسان الفاعل العاجز في الوقت ذاته, عالم يمور بالمتناقضات, بين نساء ينتعلن الذهب والألماس ويصبحن نجوماً تتطاير اخبارها في ارجاء الدنيا, وامهات يقتات الفقر والعوز على اجسادهن بجانب اطفال يموتون بمجانية أمام مرأى العين. ماذا حول هذا العالم الذي يأكل بعضه بعضا, ماذا عن اولئك الذين تحصدهم الاحقاد والفتن وهوس جبابرة الارض؟. كيف تفسر عيون تلك الأم التي يجوع رضيعها او يموت او تطحن عظامه امامها وهي تقارن بين ثمن علبة الحليب او الدواء وقيمة لغم زرع في الطريق؟ معكوسة كل الحقائق التي رضعناها من صدور امهاتنا, مقلوبة كل الصور الجميلة عن الناس القريبين والبعيدين, الذين نعرفهم والذين لا نعرفهم, مشوهة هي البطولات التي تعلمت ذاكرتنا ان تختزنها ونحن نسمعها في الليالي المقمرة قبل النوم. من لامهات العالم الجائعات المرعوبات؟