هذا صباح جميل, كل ما فيه يبعث على البهجة الشمس المشرقة تقضي على الإحساس بالبرد القارس. وتنعكس على كتل الجليد الباقية فى جوانب الطرقات والممرات, فتشع على كل ما حوله من أفرع الأغصان والأشجار، المتناثرة فى كل مكان, واليوم عطلة, وأخبار الطقس تؤكد أن الجو سيظل صحوا طوال اليوم, والسماء ستظل صافية, بلا غيوم أو أمطار, ودرجة الحرارة محتملة مع أنها تحت الصفر, وها أنذا أرقب السناجب بعينى, وهى تتقافز على أفرع الشجرة التى أرى قمتها مع قمم زميلاتها من النافذة الكبيرة فى حجرة مكتبى التى تطل على الحديقة الخلفية للمنزل الذى أسكنه. وقلت لنفسى : هذا الجو البهيج ينبغى الاستمتاع به, والخروج إليه, وممارسة رياضة المشى التى لم أمارسها لأيام بسبب تساقط الجليد, والبرودة التى زادت وطأتها بسبب غياب الشمس. وارتديت ملابس الخروج المعقولة, وتركت الحذاء الجلدى السميك الثقيل الذى هو حمولة فى ذاته, ولبست حذاء التريض الأخف, وانطلقت إلى الخارج احتفل بالشمس والهواء النقى. ورسمت لنفسى خط سير طول, تعويضا عن كسل الأيام الماضية, أو حبسة الأيام الماضية, وقلت لنفسى : سأسير بحذاء نهر سارلز, وسط الحدائق والممرات الهادئة, إلى أن أصل إلى تقاطع شارع ماس (اختصار كلمة ماسوشوستش) مع النهر, وأعبر الجسر إلى مدينة بوسطن, وأمضي فى شارع (نيوبرى) المظلل بالأشجار إلى ميدان جبران. مسافة طويلة تستغرق ساعة ونصف بالمشية السريعة, أو تستغرق ساعتين بالتوقف والاستمتاع بكل شيء حولى. وعندما أصل إلى ميدان جبران سأكون قد تعبت وجُعْت ويحق لى أن أتناول الغداء المتأخر فى أحد المطاعم الجميلة المتناثرة حول الميدان, أو أذهب إلى قرب الميناء, وأستمتع بمنظر مياه المحيط تنعكس عليها شمس هذا اليوم المشرق وسرت فى طريقى خفيف الخطى مليئا بالحيوية والنشاط, شاعرا مع كل مسافة أقطعها أننى القى عن كاهلى بعض ما أحمله من دهون وشحوم وغيرها من علامات السمنة التى أصبحت أعانيها, منذ أن أصبحت أسير بالسيارة إلى المكتب, غير قادر على الحركة أو ممارسة رياضة المشى التى أحبها كل الحب. ولكن أين يسير الإنسان فى شوارع القاهرة ؟ وكيف يهرب من التلوث والضوضاء ؟ وإذا وجد وقت الفراغ الذى يمكن فيه الاهتمام بمطالب الجسد, فأين نمضى فى القاهرة التى نحبها ونكرهها ؟ وأين هى الشوارع التى تغري بالمشى فيها ؟ وأين هم أولئك الذين يسمحون لك بالفراغ ؟ هنا الأمر مختلف, أذهب إلى الجامعة يومين فى الأسبوع, وبقية الأسبوع موزعة بين مكتبى فى المنزل والعمل فى مكتبة الجامعة, والوقت يكفى لكل شيء والهدوء فى مدينة كيمبردج الجامعية يبعث على المزيد من العمل, ونقاء الجو فى يوم مثل هذا اليوم يبعث على النشاط, ويدفع القدم إلى الحركة السريعة الرشيقة التى تتساقط بها الدهون مع قطرات العرق التى تتجمع حين تتزايد الحماسة, وحين تتدافع الحركة المتسارعة كأنها تريد أن تثأر من طول السكون والجمود واللاحركة. ومضيت بحذاء النهر, تاركا لكل حواسى حرية الاستمتاع, العين ترى ما يبهج, والأذن تسمع ما يريح, والأنف يشم من نقاء الهواء ما يضاعف الطاقة, والجلد يشعر بلمسات الهواء مداعبة ببرودة خفيفة, والقدم لا تكف عن الحركة, والجسد كله مندفع إلى الأمام, يريد أن يجرى, وأن ينافس الشابات والشبان الذين يجرون فى موازاة النهر, ولكن حكمة ما فوق الخمسين تؤجل إلى وقت لاحق ويتسارع الخطو كأنما يتمرد على هذه الحكمة, وتدب الحماسة فى الخلايا التى تريد أن تدفع الجسد إلى الجري والتسابق مع كل هؤلاء الذين يمارسون رياضة الجري. وأصل إلى الجسر الذى يحملنى إلى شارع (نيوبري) الذى أتوقف فيه قليلا لأحتسى القهوة فى مقهى يقع فى بداية الشارع. ثم أمضى فى الشارع, متفرجا على كل شيء متأملا الوجوه النضرة للناس, والبسمات التى تفترش الملامح فى راحة. وأقول لنفسى بعد ثلاثة تقاطعات ستصل إلى الناصية التى كانت عندها مكتبة (ووترستون) الضخمة بأدوارها المتعددة, ولا بأس من دخولها, وقضاء ساعة أو أكثر بين طوابقها, ولن أحمل شيئا أشتريه, سأطلب منهم إرساله إلى منزلى فى كيمبردج, كما تعودت أن أفعل فى زيارتى السابقة منذ ست سنوات. وأصل إلى موضع المكتبة, فأجدها أغلقت أبوابها, وباعوها إلى محلات أخرى لا علاقة لها بالكتب. وأسأل أحد المارين, فيقول لى بعد إنشاء الفرع الجديد الضخم لمكتبة (بارنز ونوبل) ومكتبة (بوردر) فى شارع واشنطن القريب, قل الاقبال على مكتبة (ووترستون) فأغلقوها نتيجة عدم صمودها فى المنافسة. شعرت بالأسف, ولكنى قلت لنفسى : لا بأس, بعد أن أمضى بعض الوقت فى ميدان جبران, سأعرج على شارع واشنطن, وأرى المكتبتين الجديدتين الضخمتين كما قيل لى. وانعطف بعد قليل إلى اليمين فى أحد الشوارع الجانبية وألمح ميدان جبران هائلا, ممتد الجنبات, متسعا الاتساع الرهيب الذى أحبه, وأتجه إليه. وأضحك بينى وبين نفسى من إصرارى على تسمية الميدان باسم ميدان جبران, فالحقيقة أن الميدان اسمه (ميدان كوبلى ), وكوبلى هذا أحد أعلام مدينة بوسطن, وأطلقوا اسمه على المنطقة كلها, ومنها هذا الميدان الجميل المستطيل الذى يحده من ناحية المبنى الضخم لمكتبة بوسطن العامة, يواجهه من الناحية الأخرى واجهة كنيسة قديمة, حافظوا على جمالها المعمارى وطرازها القوطى. وما بين المكتبة والكنيسة تمتد باحة محاطة بالأشجار وتتوسطها نوافير الماء. ويحد الميدان من اليمين والشمال مبان لاتزال تحافظ على طرازها المعمارى الذى يقاوم متغيرات ناطحات السحاب التى تطل من وراء الكنيسة, والتى تنعكس الكنيسة على زجاج إحداها كأنها تنعكس على مرآة هى وما حولها من المبانى القصيرة القديمة. وقد تعودت أن أجلس إلى إحدى المقاعد الموزعة بين الأشجار لاستريح من المشي, واستمتع بالنصب التذكارى الذى يحيط بمسلة مصرية تقف شامخة وسط الميدان, ولكنها مسلة صغيرة الحجم, قصيرة بالقياس إلى المسلة الموجودة فى مدينة باريس ولكنها فى وجودها فى ميدان كوبلى تجعلنى أشعر بأننى أتمتع بحضور خاص. وعندما أجلس إلى جوارها وأتطلع إلى الواجهة المهيبة لمكتبة بوسطن العامة (سامحه الله ذلك المهندس الذى صمم دار الكتب على كورنيش النيل) أشعر بامتداد تاريخ الحضارة الأوروبية كلها, فأمام المبنى, على الرصيف الكبير قبيل المدخل تمثالان ضخمان, بجوار كل واحد منهما ما يشبه صفحة كبيرة منقوش عليها بحروف بارزة أسماء أعلام الفكر والفن والعلوم فى الثقافة الغربية. وفى أعلى الواجهة إفريز, مكتوب عليه بحروف كبيرة بارزة : المكتبة العامة لمدينة بوسطن بناها أهلها إسهاما منهم فى تطوير التعليم وتقدمه. وتحت هذا الافريز مربعات, فى كل مربع منها مجموعة من الأسماء, وبين أشجار الميدان, استطعت أن أقرأ كل الأسماء التى تخطر على البال, ابتداء من هوميروس وبندار وأرستوفان ويوربيدس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وأبيقو, مرورا بأسماء أعلام العصور الوسطى البارزين, وانتهاء بأسماء مفكرى العصر الحديث. كل الأسماء تراها العين, فتشعر بالألفة والانتماء, كما تشعر برغبة الدخول إلى هذه المكتبة التى تضعك على بقعة من الطريق اللانهائي الذى صنعه هؤلاء جميعا, والذى عليك أن تبدأ من حيث انتهوا إليه لتواصل المسيرة, لعلك يوما تتحول إلى اسم مكتوب بحروف بارزة يقرأه الناس بعد عشرات وعشرات من الأعوام. اذكر أننى وقفت مرة لوقت طويل, أتفحص هذه الأسماء, وأبحث بينها عن فلاسفة العرب وأدبائهم, ألم تسهم الحضارة العربية فى نهضة الحضارة الغربية ؟! ألم يكن ابن رشد بعد ابن سينا هو البداية التى بدأ منها المفكر الأوروبى مسيرته إلى النهضة الحديثة ؟ ألم تكن نظريات ابن الهيثم فى البصريات وابن سينا فى الطب بداية لتقدم الطب الأوروبي؟ طبعا لم أجد الأسماء العربية التى توقعتها, فشعرت بالغضب, وقلت لنفسى : هذه هى عادة الغربيين الذين يتجاهلون فضل الحضارة العربية عليهم, ولا يرون سوى أنفسهم ممثلين لهذه الإنسانية التى يتحدثون عنها ليل نهار. ولم يخفف غضبى سوى ملاحظتى على الرصيف المقابل للمكتبة تماما, نصبا تذكاريا يشبه المصطبة المرتفعة قليلا, يفصله عن مدخل المكتبة الكبير شارع عريض, ولكى تقف عليه لابد أن تعطى ظهرك إلى المكتبة. وقد وقفت, فوجدت لوحة نحاسية (أخضر لونها) من الحفر البارز تخليدا لذكرى الشاعر والفيلسوف جبران خليل جبران, وتضم اللوحة بعض الأغصان والأزهار, وفى زاوية منها مكتوب بالأحرف البارزة اسم جبران وتاريخ مولده ووفاته ( 1883-1931). والنصب مقام من مدينة بوسطن تحية للشاعر الذى عاش فيها, وكان له بيت بها, كما كان له أصحاب وصاحبات تركوا فيه كما ترك فيهم أعمق الأثر وابتسمت عندما لاحظت الخطأ الشهير فى تهجئة اسم (خليل ), فقد كان أصدقاء جبران ينطقونه (كاليل) وتعودوا أن يكتبوه Kahlil Gibran وهكذا كتبوه على النصب, وظل الاسم بخطئه الهجائي نتيجة عدم دقة النطق علامة على هذا الشاعر العربى الكبير الذى لاتزال مدينة بوسطن تحتفظ بذكراه. وأصبح من عادتى كلما مضيت إلى مدينة بوسطن أن أذهب إلى ميدان كوبلى, ولكن بعد أن تغير اسمه عندنا, واصبح ميدان جبران, وأنظر إلى الأسماء الغربية المحفورة حفرا بارزا على المكتبة, وأقول لنفسى : لا بأس, نحن نوجد فى الميدان ممثلين فى نصب جبران اللبنانى وفى المسلة المصرية الموجودة, ولا ضير علينا لو أخطأوا فى تهجئة اسم جبران وجعلوه (كاليل) بدلا من (خليل) فحضوره يواجه المكتبة, ويلفت الانتباه إلى حضور قومه العرب الذين أطلق واحد منه اسمه على الميدان الذى يطلقون عليه هو اسم ميدان كوبلى. وأظن أن الحق معى من وجهة نظرى على الأقل.