إن من الأمور المهمة بالنسبة للعرب ولغيرهم من الأمم, مسألة سلم وأولويات الاهتمام. فهناك مجالات عديدة يتوجب عليهم العناية بها والإنفاق عليها وتطويرها, مثل البحث العلمي والصحافة والتنمية الاقتصادية والأمن القومي والتربية والقضاء وغير ذلك. فأي من هذه المجالات ينبغي أن تكون له الأفضلية في الرعاية؟ وبتعبير آخر, فإن على كل دولة أن ترسم سلماً يتضمن المشكلات والقضايا التي يجب أن تتصدى لها, على أن تكون مرتبة حسب درجة اهميتها. ومن هنا, فإن السؤال الوجيه الذي يمكن أن يتردد على ألسنتنا في أي وقت, هو ما إذا كان من الأفضل للعرب أن يكرسوا معظم مواردهم وطاقاتهم ويمنحوا الأولوية, لمكافحة التخلف الداخلي, أم لمواجهة العدو الخارجي, أي اسرائيل؟ هل عليهم أن يهتموا أولاً ببناء الإنسان وبإشادة المؤسسات التعليمية والعلمية وبتحسين الاقتصاد وتحديث مرافق الحياة, أم بصنع الآلة الحربية, والتسلح, وتعزيز المقدرة العسكرية, من أجل التصدي للدولة العبرية؟ هل يجب أن يكون هاجسهم الدائم وشغلهم الشاغل, تحقيق التقدم العربي في شتى المجالات, أم مقارعة الإسرائيليين؟ إن من غير الممكن الإجابة عن هذا السؤال بالقول بأن الخيار الأول أو الخيار الثاني, هو الذي يجب أن يحظى بأفضلية الاهتمام, لأن هناك جسوراً ممتدة وعرى وثيقة تربط بين الخيارين اللذين لا يمكن الفصل بينهما. وفي الحقيقة لا نستطيع أن نقارع أعداءنا بنجاح, إلا إذا كنا مدججين بأسلحة التقدم والحضارة . ولكن هل معنى هذا أن علينا أن ننتظر حتى نقضي على التخلف... وبعد ذلك نواجه اسرائيل؟! إذا فعلنا هذا, فإن معناه, أن العدو سوف يبتلعنا قبل أن نتمكن من إرساء أسس تقدمنا. ويبدو لنا أن الحل الأمثل يكمن في توجيه جزء من الطاقات والموارد نحو البناء الداخلي, والجزء الآخر باتجاه تعبئة القوى العسكرية والكفاح المسلح. ولكن هذا الحكم على كل حال, يبقى نظرياً. فعندما ننزل الى الأرض, نجد أن الأمور ليست على هذه الدرجة من البساطة, ولا تبعث على التفاؤل. وللأسف, فإن العرب, بصورة عامة مقصرون في الخيارين المطروحين معاً, تقريباً, وإن كان هذا يحدث بدرجات متفاوتة, بين كل دولة وأخرى. ففي مجال الصراع مع العدو, فإنه ما زال متفوقاً علينا في التكنولوجيا والتخطيط والقدرة التعبوية والتدريب العسكري المتقدم. كما أن القوى العربية التي تقوم بالمواجهة معه محدودة. فإذا استثنينا انتفاضة الفلسطينيين وكفاح اللبنانيين, نجد أن باقي العرب, إما أنهم شبه متفرجين, أو يكتفون بتقديم الدعم المادي والمعنوي والسياسي للانتفاضة. وإذا كان من غير الواقعي, أن نقوم الآن بشن حرب شاملة ضد اسرائيل, فإن من الضروري جداً ان نستمر في الضغط عليها قتالياً, بأسلوب الكفاح المسلح البطيء, وسياسياً, بطريقة تأليب الرأي العام الدولي ضدها, واقتصادياً بسلاح المقاطعة, الى ان تنصاع لقرارات الأمم المتحدة وتقبل بحل عادل لقضية الأراضي المتحلة في الجولان والضفة الغربية. والنقطة المهمة هنا أن جميع العرب يجب ان يسهموا في المواجهة. فهناك قسم كبير منهم بعيد عنها. وبعض هؤلاء محكومون ومقيدون بمعاهدات سلام مع اسرائيل, وبعضهم الآخر يرفعون عقيرتهم بالأصوات العالية الرنانة التي تنادي بتدمير العدو وإفنائه عن بكرة أبيه, دون أن يفعلوا هم أنفسهم أي شيء على الأرض. وبتعبير آخر, فإن مشاركة جميع أبناء الضاد, كل حسب امكاناته وطاقاته وأوضاعه الخاصة, في عملية استنزاف العدو وتنكيد عيشه وإشاعة عدم الاستقرار في ربوعه, ستكون نتائجها أفضل بكثير مما نحصل عليه من بقاء أعداد كبيرة من العرب خارج حلبة المواجهة مكتفين بتوجيه النصائح والإرشادات والدعوة الى عدم التهاون مع العدو ورفض التفريط بذرة واحدة من الأرض! ومهما يكن من أمر, فإذا كان صراعنا مع إسرائيل يمكن في يوم ما أن يضع أوزاره وينتهي, أو على الأقل, أن يتجمد على شكل هدنة أو حل مرحلي بعيد الأمد, فإن مشكلتنا مع التخلف هي الأصعب والأشد مراساً. وإذا كان بالإمكان أن يجلس العرب على طاولة مستديرة, أو أن يعقدوا مؤتمرات قمة, ويضعوا استراتيجيات وخططاً للتعامل مع الأعداء الخارجيين, فليس بوسعهم من الناحية العملية أن يفعلوا الشيء نفسه, ويتفقوا على اجراءات لمكافحة التخلف. إن من السهل جداً أن نتحدث عن هذه المسألة في كل مناسبة, ولكن من الصعب جداً أن نتحرك باتجاه الحل, بدليل أننا دائماً عندما نثير موضوع التخلف, نبدأ عادة من نقطة الصفر, وكأن كل السنوات والعقود الماضية لم تكن كافية لعمل أي شيء, مهما كان صغيراً, في هذا المضمار, مما يدل على أننا ندور في حلقة مفرغة لا نهاية لها. وربما يكون أهم سؤال يمكن طرحه الآن, هو كيف نحارب التخلف ونحرز التقدم؟ وهذا سؤال صغير جداً, ولكن الجواب عليه يحتاج الى مئات, إن لم يكن إلى آلاف الصفحات, إذا أردنا أن نحصل على أجوبة مفصلة تشمل جميع مناحي حياتنا السياسية والاجتماعية والتربوية والثقافية والعلمية والتكنولوجية وغيرها. على كل حال, فإن طرح الموضوع على هذا الشكل يؤدي الى الضياع في متاهات مغلقة, ولا يتمخض عن نتائج سليمة. وبتعبير آخر, فإن من الخطأ أن نبحث عن تحقيق التقدم العربي في كل درب من دروب حياتنا على حدة, بل لا بُدّ من التفتيش عن المفاتيح والقواسم المشتركة, والتوجه نحو التعامل مع الأصول, لا الفروع, ومع الأمراض, لا الأعراض. وبالطبع فليس من السهل الغوص في أعماق هذه المسألة, والخوض في غمارها المفصل المعقد. ولكن حسبي أن أقول هنا إن القاسم المشترك الأساسي الذي يوصد أبواب التقدم هو المصالح الشخصية الضيقة لبعض السياسيين العرب. وبتعبير آخر, فإن نزعات أعداد قليلة جداً من الناس الذين تكاد لا تتعدى نسبتهم واحداً بالألف من مجموع الشعب, أو ربما أقل من ذلك بكثير, هي التي تحول دون تقدمنا الحقيقي واقتحامنا بوابة الحضارة الحديثة. وحتى نوضح ما نرمي إليه, نقول بأن أول خطوة في سبيل مكافحة التخلف وتطوير الأوضاع العربية جذرياً نحو الأفضل, تتمثل بفتح أبواب الديمقراطية الحقيقية على مصاريعها. وبدون هذه الخطوة الأساسية, فإن كل جهودنا الأخرى لن تجدي فتيلاً, وستذهب أدراج الرياح. وللأسف فإن مصالح بعض النخب السياسية التي أتينا على ذكرها تقتضي إبقاء الأسوار مغلقة وعدم فتحها أمام مواكب الحرية. وهذا يعني بقاء أوضاعنا القائمة على حالها, دون تغيير جذري نحو الأفضل. أما حل هذه المشكلة, فأمر غاية في الصعوبة, ويكاد يبلغ أحياناً درجة الاستحالة, لأن النزعة الفردية الأنانية في نفوس البعض متأصلة ومتمكنة الى درجة لا يمكن معها اجتثاثها أو تخفيفها, بالوسائل التقليدية المعتادة. ولكن هذا لا يعني اليأس والشعور بأن رياح التغيير لن تهب أبداً على منطقتنا العربية. وأعتقد أن أجهزة إعلامنا المخلصة التي تتبنى قضايا الديمقراطية والمجتمع المدني, مثل صحيفة (البيان) الاماراتية ومجلتي (العربي) و(عالم الفكر) الكويتيتين, على سبيل المثال, تستطيع أن تؤدي دوراً مهماً في تليين عقول أصحاب القرار العرب, وإقناعهم, ولو نسبياً وبالتدريج, بأن اعتبارات التاريخ والحضارة والإنسانية والشيم العربية الأصيلة, يجب أن تعلو على اعتبارات المصالح الفردية الأنانية. * كاتب سوري