(ان العلاقات بين بلدينا صلبة كالصخر.. وستبقى كذلك). البلدان هما الولايات المتحدة واسرائيل. وبهذه الكلمات الاندفاعية الخالية من اي تحفظ شعوري جدد كولين باول وزير الخارجية في الادارة الامريكية الجديدة فروض الولاء لاولي الامر من اليهود. فقد كان باول يخاطب قبل بضعة ايام منظمة (أيباك)... وهو اختصار لاسم (اللجنة الامريكية الاسرائيلية للشئون العامة) - الهيئة التي تقرر عادة من يحكم امريكا. وتأتي تصريحات باول (الجمهوري) في ظرف داخلي امريكي تتفاعل فيه اصداء فضيحة تتصل بالرئيس السابق (الديمقراطي) بيل كلينتون. فقد ختم كلينتون عهده - في اللحظات الاخيرة ـ بقرار غير مسبوق حيث اصدر عفوا رئاسياً عن شخصية يهودية مدانة قانونياً.. لا لسبب الا كون ان الرجل الذي شمله العفو ذا صفة يهودية. فالرئيس كلينتون اتخذ قراره تجاوباً مع وسطاء يهود بارزين وضد النصح القانوني من مستشاري الرئيس بمن في ذلك وزيرة العدل. واذا كانت اقوال وافعال الساسة الامريكيين يحكمها بالدرجة الاولى ولاء كل منهم لليهود الامريكيين والدولة اليهودية الاسرائيلية فان تصريح باول يتضاءل بازاء فعل كلينتون. فقد تجاوز تصرف الرئيس السابق كل حواجز اللباقة بحيث ان زعماء من اليهود الامريكيين انفسهم اضطروا الى انتقاد كلينتون علنا من استشعارهم الحرج. الشخصية اليهودية التي سلطت عليها اضواء الفضيحة هي مارك ريتش وهو رجل اعمال ومصرفي صاحب ثروة. لكنه هارب من العدالة. وقد استغل ازدواجية جنسيته كمواطن امريكي ومواطن اسرائيلي في آن معا ففر الى اسرائيل للاقامة هناك. وقد عرف عن ريتش سخاؤه في تمويل المنظمات اليهودية الامريكية ودفاعه عن القضايا التي تهمها. ولهذا فانه عندما تقدم بطلب العفو الى الرئيس كلينتون تدافع زعماء اليهود في كافة انحاء العالم لدعم طلبه لدى البيت الابيض سواء بوسائل الضغط او وسائل الارهاب. ليس هذا فحسب.. بل هرع كبار المسئولين في اسرائيل وفي مقدمتهم رئيس الوزراء السابق ايهود باراك للمطالبة بالعفو عن ريتش. ويقال ان باراك اجرى مع كلينتون ثلاثة اتصالات هاتفية مطولة لهذا الغرض. رغم ذلك فان قرار العفو الرئاسي اثار ضجة عندما صدر بالنظر الى طبيعة الجرائم التي ادين فيها ريتش فهي جرائم تتصل بالاحتيال والتهرب من الضرائب وليست مخالفات تتعلق بقضايا سياسية مثلاً. وقد بادر باثارة الضجة ضد القرار اعضاء في الكونجرس وشخصيات قانونية مرموقة. والسؤال الذي يعتمل داخل ذهنية اي مواطن امريكي غير يهودي ولكن يتردد اي احد في طرحه هو: اين يتوجه اليهودي الامريكي بولائه الوطني: الى امريكا ام الى اسرائيل؟ ان اصحاب الاصوات التي ارتفعت داخل الولايات المتحدة تنتقد قرار كلينتون بشأن المجرم مارك ريتش كان في ذهن كل منهم دون شك ذلك السؤال الكبير عن الولاء الوطني. ورغم ان اي امريكي غير يهودي يتهيب طرح السؤال خوفاً من العواقب فان السؤال يظل كامناً في النفوس الى ان يتفجر جماعياً في وقت ما من المستقبل. وفي هذا السياق يقول احد حاخامات اليهود الامريكيين تعليقاً على فضيحة ريتش: (لقد وضع عفو كلينتون الطائفة اليهودية الامريكية في اختبار اخلاقي. وجدير بنا ان نعترف بأننا سقطنا في هذا الاختبار). واذا كان رجل دين يهودي مرموق يدين قومه بهذه الصراحة فان انفجار المشاعر الشعبية الامريكية ضد اليهود قد يكون اقرب مما نظن.