إمارة موناكو من حقها أن نذكر أنها لا تشكل وحسب موقعا شهيرا لداء القمار وكازينوهات اللعب على المستوى الدولي. كل هذا يعلمه الناس.. لكن الذي لا يعرفه سوى قلة متخصصة أن امارة موناكو هي أول من فكر في محاربة تيار الجريمة الدولية العابرة للحدود. ففي عام 1914 دعا أمير موناكو, البرنس البرت الى اجتماع حضره مندوبو عشرين من دول العالم (وكان مؤتمرا دوليا كبيرا بمقاييس عصر الامبراطوريات الكبرى في ذلك الزمان) وكان مطروحا على أجندة المجتمعين وناقش ظاهرة الجريمة الدولية, ومن ثم التفكير في خطط انشاء هيئة شرطة دولية تتولى التصدي لهذه ا لظاهرة الاجرامية العالمية ومحاربتها. في نفس العام 1914 اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى ومن ثم اختفت الفكرة من بنود اهتمامات العالم الى أن عادت الى الظهور من جديد ولكن في فيينا عاصمة النمسا. في عام 1923 عمد جوهان شوبر رئيس شرطة النمسا الى بعث الحياة في أوصال فكرة انشاء هيئة شرطة دولية وأفضت جهوده الى أن اجتمع في عاصمته 138 مندوبا جاءوا من 20 دولة وانتهوا الى قرار بانشاء هيئة شرطة عالمية مقرها فيينا وتكون مهمتها تسهيل التعاون الدولي في مجال أعمال الشرطة وحملت الهيئة الجديدة الاسم التالي: لجنة الشرطة الجنائية الدولية. وجاء دور النازي وجاءت حرب كونية ثانية لتعصف من جديد بفكرة الشرطة الدولية. فقد احتلت جيوش هتلر النازية فيينا خلال الحرب العالمية الثانية وأنشأت النظام النازي المشترك بين النمسا والمانيا الذي يعرف تاريخيا باسم (الانشلوسي) الذي طبق عليه النازي تعبيرنا العربي المأثور (زيتنا في دقيقنا) وتجسد هذا التطبيق في أن قام أعوان هتلر بالاستيلاء على لجنة الشرطة الجنائية الدولية بعد اجتياح مقرها ونقلوها الى بلدة قرب عاصمتهم برلين وعهدوا بقيادتها الى واحد من أكثر أعوان هتلر شراسة وهو رياينولد هايدريتشن الذي لم يتورع عن تقليب ملفات لجنة الشرطة الدولية التي وقعت في يد أو بالأدق سقطت بين براثنه فكان أن استخدم معلوماتها لممارسة كل أنواع الضغوط والتشهير والابتزاز بحق من رآهم أعداء النظام الهتلري الحاكم في برلين. الانتربول في فرنسا وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها لاحت مبادرة جديدة اتخذها فلورنت لويج, المفتش العام للشرطة البلجيكية الذي قام بتشكيل لجنة أعادت بناء هيكل الشرطة الدولية على أساس أن تؤدي مهمتها الأصلية في مكافحة الجريمة العابرة للحدود. وفي عام 1946 بلغ عدد الدول المشاركة فيها 17 دولة جاء مندوبوها واصطلحوا على أن يتخذوا للمنظمة عنوانا واختصارا تلغرافيا هو: انتربول (بمعنى الشرطة الدولية). وبعدها اتخذوا موقعا جديدا لها في العاصمة الفرنسية باريس.. ولكنها نقلت مكاتبها الى بلدة سان كلود الفرنسية في عام 1966 الى أن جاء عام 1989 لتستقر الانتربول في مدينة ليون الفرنسية ولتتضاعف عضويتها مرات ومرات حتى وصلت كما يتباهى مسئولوها الى 178 من الدول الأعضاء وهو ما يقل قليلا عن الدول أعضاء منظمة الأمم المتحدة بجلالة قدرها في نيويورك. وليس لأحد أن يتصور أن شرطة الانتربول الدولية تملك سلطة خاصة بها. ومن حسن حظ الناس أن ضباط الانتربول لا يستطيعون القبض على هذا أو توقيف ذاك. إن الهيئة الدولية أقرب الى أن تكون مركز تنسيق.. أو بالأدق دارا للمقاصة كما يقول التعبير السياسي الاقتصادي حيث يجري داخل أروقتها ومكاتبها تبادل ومضاهاة المعلومات المتعلقة بالجرائم المتركبة في اقليم هذه الدولة أو تلك وحيث تعتز المنظمة الدولية بأن لديها أكبر قاعدة بيانات مدارة بالحواسيب وتحوي معلومات بكافة الأشكال والتجسيدات والنماذج المتعلقة بالجرائم والمجرمين: بصمات الأصابع لقطات الفوتوغرافيا.. مستنسخات من روائع الفن التشكيلي التصويري المسروقة من مقتنيات العالم.. أرقام لوحات السيارة الفارهة المسروقة وما الى ذلك بسبيل. وتتبع هيئة الانتربول نظام البلاغات والاشعارات والإخطارات الذي (يتلون) حسب أغراضه المستهدفة, ما بين البلاغ الأحمر القاني الذي يفيد عن المجرمين المطلوب ترحيلهم وتسليمهم عبر حدود الأقطار المختلفة وبين البلاغ الأخضر السندسي كما قد نسميه الذي يتعلق بمعلومات لها أهميتها في أعمال الشرطة والانتربول في هذا الاطار تقدم مساعداتها الفنية المهنية الى دوائر الشرطة المحلية وهيئات الشرطة الوطنية بالنسبة للجرائم العابرة للحدود وفي مقدمتها عمليات الارهاب وجرائم الاتجار في المخدرات وفي البشر على السواء. انقاذ الفيل الافريقي وأحدث الخدمات التي قدمها في هذا الصدد هو المساعدة التي قدمها فرع الانتربول في موسكو الذي تعاون بدوره مع دائرة الهجرة في أمريكا على ملاحقة واعتقال وترحيل سفاح روسي هارب وكان ذلك في يونيو عام 1999. وفي أكتوبر من العام المذكور ساعدت الانتربول هيئة حماية الطبيعة في جنوب افريقيا ومعها شرطة البرتغال في القبض على أربعة مجرمين كانوا يقومون بتهريب 150 من أنياب الفيل الافريقي العاجية الثمينة المحظور التعامل فيها حفاظا على حياة هذا الفصيل الحيواني المعرض لخطر الانقراض.. الى جانب تهريبهم ألف كيلوجرام من عقار الخشخاش المستخدم في صناعة مخدرات الأفيون. وبالمناسبة يعمل في شرطة الانتربول الدولية 373 فردا منهم 120 من خبراء الشرطة و200 من موظفي الدعم الفني الى جانب موظفي السكرتارية والأعمال الكتابية. منحوها مركز المراقب في الآونة الأخيرة عمدت الانتربول الى توسيع آفاق علاقاتها الدولية.. وفضلا عن تعاونها مع هيئات الشرطة القومية فقد مدت يد التعاون أيضا الى منظمات غير حكومية والى هيئات دولية أخرى تضمها منظومة أو أسرة الأمم المتحدة. وعلى ذلك نالت الانتربول عام 1996 مركز (المراقب الدائم) لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة وهو مركز له أهميته واعتباره بما يزيد مكانة المنظمة البوليسية المذكورة (فلتذكر مثلا أن منظمة التحرير الفلسطينية تتمتع بمركز المراقب لدى الأمم المتحدة). والمهم أن الانتربول بمركزها هذا الجديد أصبح لها حق المشاركة كطرف أصيل في كل المؤتمرات العالمية التي تعقدها الأمم المتحدة.. وبهذه الصفة أيضا تعاونت الانتربول مع اليونسكو في عام 2000 الماضي على انتاج قرص ليزري مدمج (سي دي روم) يحوي نماذج ونبذات عن أكثر من 14 ألف من روائع الأعمال الفنية على مستوى العالم كله. ومن عجب أن تكون جريمة تهريب البشر والاتجار في أبناء آدم من أكبر الجرائم التي بات الانتربول تصادفها وتحاول التصدي لها.. ويشكو رئيس الانتربول السابق (رايموند كندول) تقاعد في آخر العام الماضي من أن العالم لم ينتبه بعد بما فيه الكفاية ازاء هذا الضرب الجديد من العبودية عبودية اعتبار الرجال في سن العمل ومعهم النساء والأطفال ممن أصبحوا سلعة يتم تداولها في أسواق البيع والشراء وآخر الأمثلة على بشاعة هذه الجريمة ما شهده عام 2000 من موت 58 انسانا صينيا بالاختناق في شاحنة كانت تقوم بتهريبهم من بلجيكا الى انجلترا. مشكلة أخرى تعانيها الانتربول وتتمثل في أنها تضن أحيانا بمعلومات على بعض الفروع الوطنية التابعة لها أو بعض هيئات الشرطة القومية العاملة في هذا القطر أو ذاك. ومن أقرب الأمثلة على ذلك أن ضباط الانتربول الدوليين كانوا يتابعون شبكة غسيل الأموال أو تبييض الحسابات المصرفية المشبوهة أصلا والمتأتية من مصادر غير مشروعة يأتي في مقدمتها أرباح تجارة المخدرات والجنس وأنشطة المافيا القائمة على ممارسة الضغط والابتزاز هذه الشبكة الاجرامية كانت تمتد ما بين نيويورك وموسكو ويومها اعترفت دوائر الانتربول بأنها ليست متحمسة بل كانت مترددة للغاية في أن توافي الشرطة الروسية (في عهد يلتسين) بما كان لديها من معلومات وكانت حجة الانتربول في ذلك تتلخص في عبارة واحدة تقول: إن هذه المعلومات (الخطيرة والثمينة) يمكن أن تقع (عند الروس) في الأيدي الخطأ. خطر الفساد وفي هذا السياق يعترف (كندول) كبير الشرطيين الدوليين السابق بأن هناك احتمالات لتفشي الفساد وخراب الذمم عبر اختلاف أنظمة الشرطة وعناصرها وثقافاتها. لكن ماذا عن شركة الانتربول الدولية ذاتها؟ هل هي معصومة من الخطأ ومن الاصابة بجرثومة الفساد؟ كان هذا هو السؤال الصريح الذي طرحه مندوب مجلة (فورين بوليسي عدد فبراير 2001) على كندل وأضاف اليه تساؤلا آخر قال فيه: بصراحة.. هل الانتربول مؤسسة مأمونة؟ وبصراحة أكثر.. لقد أفضى لي أحد كبار مسئولي المباحث في أمريكا بأن الانتربول كانت مخترقة في يوم من الأيام. وفي معرض الاجابة رد كندول بأن هيئة الشرطة الدولية تصاب بحالات فساد بين حين وحين شأنها في ذلك شأن أي مؤسسة كبيرة أخرى. ثم أضاف يقول: كل ما أستطيع أن أتذكره هو حادثة فساد واحدة بين صفوف أمانة الانتربول العامة في مدى ثلاثين سنة. أنشطة المافيا الدولية وبمناسبة الفساد.. فما زالت الدوائر الدولية في حال من القلق والانزعاج ازاء ما آل اليه حال بلد مثل روسيا وخاصة بعد انهيار وزوال الاتحاد السوفييتي.. لقد أدى تفكك هيئات ودوائر الدولة السوفييتية التي آلت الى نوع من التسيب واللاانضباط وربما نوع من الفوضى ومن ثم انحلال الضبط والربط في مجتمع ما بعد الحقبة الشيوعية وربما تكون دولة بوتين الراهنة في حالة لمّ الشتات واعادة شيء من الانضباط إلا أن العالم دوائره الاقتصادية والشرطية بالذات ما برحت تعاين أنشطة المافيا الروسية الجديدة التي أصبحت تتاجر في كل شئ وتسيطر على كثرة من مرافق الانتاج ومواقع الخدمات. وفي هذا الصدد تكشف مجلة (فورين بوليسي) النقاب عن واحد من أسرار الانتربول حين تقول معلوماتها أن مجموعة محورية قوامها 50 دولة من أعضاء منظمة الانتربول وفي مقدمتها أمريكا تتعاون حاليا حول اقامة وتسيير مشروع يقصد الى تقصي نشاط جماعات الجريمة المنظمة أو هي النيو ــ مافيا التي تغطي منطقة أوراسيا (أوروبا وآسيا). وقد بلغت أهمية المشروع الجديد الحد الذي أصبحوا يطلقون عليه وصفا بالغ الدلالة هو: مشروع الانتربول للألفية الثالثة. وفي اطار المشروع تتعاون دول أوروبا بالذات مع أمريكا على توفير أدق معلومات الاستخبارات بشأن نشاط عصابات المافيا التي خرجت من عباءة الاتحاد السوفييتي السابق. وفي هذا يقول رئيس الانتربول السابق: آخر التقديرات في هذا المجال تفيد أن هناك نحو 1000 عصابة مافيا جريمة منظمة روسية تعمل حاليا على الصعيد الدولي يضاف الى ذلك ما بين 8 آلاف و10 آلاف مجموعة اجرامية تعمل داخل اقليم الاتحاد السوفييتي السابق (روسيا وسائر الجمهوريات السوفييتية سابقا) ويقدر أن كلا من هذه العصابات أو الجماعات تضم في عضويتها عددا يتراوح ما بين 50 عضوا الى ألف عضو.. والمشكلة أن هذه الشبكات الاجرامية لا ترتبط سوى بعلاقات فضفاضة واهية. وقد تتعاون معا في مواجهة أخطار مشتركة؟؟ ولكنها تفتقر الى تنسيق هرمي من القمة الى القاعدة ومن ثم يصعب كثيرا ضبط أنشطتها, خاصة وأنها تعمد الى تنويع أنشطتها ما بين تهريب السجائر الى تهريب المخدرات وما بين تنظيم أنشطة الهجرة غير المشروعة الى ممارسة الابتزاز وتجارة البغاء وسرقة السيارات وتجارة الأسلحة المحظورة.. واذا لم يتم التعاون بين الدول على أساس متعدد الأطراف فلسوف تظل اليد العليا لتلك النوعية من عصابات الاجرام. رصيد الإيجابيات وسط هذه التحديات, يلوح رصيد من الايجابيات يتمثل في نجاح الانتربول في متابعة وكشف الممتلكات التي اقتناها بأموال الجريمة المشبوهة بارونات المافيا الروسية خارج حدود بلادهم ومن عجب أن هذه الأموال الناجمة عن سلوكيات الفساد الاجرامي قيض لها أن تجتاز رقعة أوروبا من شرقها الى غربها وأن تعبر المحيط الأطلسي وتتجه جنوبا الى قارة أمريكا اللاتينية ثم تحط رحالها المشبوه على أراضي كولومبيا وهي بدورها مركز خطير لانتاج وتصدير سموم الكوكايين المدمرة الملعونة وفي كولومبيا اقتنى أباطرة المافيا الروسية الضياع والمزارع والبنوك والعقارات.. وكل هذا استطاعت الانتربول أن تهتك أسراره وتسلط عليه كاشف الأضواء. أصعب التحديات الالكترونية على أن أكبر وربما أشرس التحديات التي باتت تواجه الانتربول, بل وتواجه عمليات مكافحة السلوك الاجرامي بعامة يتمثل فيما أصبح يعرف باسم (سايبر كرايم) أو فلنقل الجرائم المرتكبة بواسطة الحاسوب الالكتروني وعلى شبكة المعلومات الدولية (انترنت). وفي هذا الصدد تدعو قيادات الانتربول الى أن تتعاون الحكومات مع دوائر وفعاليات القطاع الخاص من أجل مكافحة هذا النمط المستجد في حياتنا باسم الجريمة الالكترونية. ولا تتورع أوساط شرطة الانتربول الدولية عن القول بأن الحكومات متخلفة من حيث القدرة والامكانيات, ومن حيث الكوادر والخبرات عما يمتلكه القطاع الخاص في مجال صناعة الحواسيب والتعامل مع الانترنت وتكنولوجيا المعلومات. (طبعا نقصد بالقطاع الخاص الشركات الدولية التي توظف استثمارات طائلة في تكنولوجيا المعلومات وتطور الصناعات الالكترونية السوبر متقدمة ولا تقصد دكاكين الكمبيوتر التي تحقق بالكاد ما يكفي استمرارها من أرباح). وكلما ازداد تطور الحواسيب من حيث الأجيال الموجهة الى السوق ومن حيث الامكانات الهائلة التي تتمتع بها تلك الأجيال الالكترونية المتقدمة ازدادت الجرائم الحاسوبية خطرا واتساعا وتعقيدا وتشعبا حيث التعامل هنا مع عقلية اجرامية حادة الذكاء وقد تفوق في امكاناتها الذهنية والعلمية قدرات عناصر الشرطة الموكلة بمكافحة هذا اللون من جرائم القرن الحادي والعشرين. من ناحية أخرى, لنا أن نقف مليا بقدر من التأمل والتريث بل والتشكك أحيانا, عند تلك الدعوة التي ترفعها دوائر وأركان شرطة الانتربول الدولية للتعاون الشُرطي (بالشين المضمومة والراء المفتوحة) مع دوائر القطاع الخاص. نحن نفهم أن يكون التعاون ضمن حدود لا يقصدها ولكنهم يدعون الى أن تفتح الانتربول ملفاتها فتوافي دوائر القطاع الخاص بما تراكم لديها من معلومات, في مقابل أن تتلقى من هذه الشركات والمؤسسات الخاصة ما لديها من معلومات قد تفيد الانتربول في النهوض بمهامها في مكافحة هذا اللون من جرائم العصر. نحن نرى في هذا التعاون خلطا بين حيدة الشرطة وتحيز القطاع الخاص.. بين الشرطة كهيئة تخدم المصالح العليا للمجتمع وتسهر على منظومة القيم الأعلى التي تحركه وتنظم نواميسه وبين مصالح القطاع الخاص الضيقة والفئوية بحكم التعريف والتي يمكن أن تتعارض يوما ما, وفي موقف ما مع المصالح العليا للمجتمع العريض. ومن ثم يتعين على الانتربول وعلى العالم الباحث عن الأمن أن يلتمسا لهذه المعضلة حلولا أسلم وأكثر ابداعا. * كاتب سياسي من مصر