احياناً نكون سبباً مباشراً في مشكلة نعرف حلولها على وجه الدقة ولا نريد ان نمارس الفعل الذي يؤدي الى وقف النزيف المستمر لأي مشكلة أوقدنا نارها مع ازدياد اشتعالها على مر الزمن. اين المشكلة على وجه التحديد او اي مشكلة نود التطرق اليها؟ المشكلة قديمة ومتجددة ونرى نزيفها بشكل يومي في العالم العربي, القيمة المادية لهذا النزيف اكثر من 200 مليار دولار خسائر هجرة العلماء العرب الى الغرب! اما القيمة المعنية فهي تتمثل في اكثر من 450 ألف عربي من حملة الشهادات والمؤهلات العليا طارت من عندنا وحلت عندهم في المعامل والمختبرات, تقدم عصارة ما تملك من نتاج آخرها وصول (باثفايندر) الى المريخ, مع اصرار ظلم الاقربين للأقربين. نصف مليون عربي في الغرب لو فكر في الخيال, العودة الى المنبت او مسقط الرأس فماذا يمكن للعالم العربي في عصر التكنولوجيا السريعة تقديمه لهم؟ لا أقول حوافز مادية, بل أجواء علمية مناسبة لما هم فيه. ما زالت البيئة العلمية العربية تعاني من عوامل طرد نحو الشمال وشمال الشمال وبصورة اقرب الى المآسي الانسانية منها الى الظرف الموضوعي. اضرب مثلاً واحداً, منذ أيام استمعت الى مقابلة اذاعية مع دكتورة عربية اخترعت جديداً في تخصصها العلمي الدقيق وبالضبط في مجال علم الخرسانة وذهبت الى احدى الدول العربية لتسجيل براءة اختراعها سنة 1994 وبعد ان استنزفت مالياً وبيروقراطياً لم تتمكن الى اليوم ونحن في العام 2001م من عملية التسجيل العلمي لبراءة اختراعها فرجعت الى بلدها محتفظة بحقوقها على أضعف الايمان في الجامعة التي تدرس فيها. ولا تظنوا بأن الأمر انتهى عند هذا الحد, ابداً, فقد تلقتها احدى الدول الغربية لتقديم اختراعها في مؤتمر عام لموضوع سوف يوفر على أصحاب المقاولات والعاملين في البنى التحتية للمجتمعات المليارات من الدولارات التي ستذهب في تلك الجيوب المستعدة للتفاهم العلمي, فحتى تعتدل الموازين العلمية عند العرب لابد من دفع الضريبة غالية.