كل من تابع السياسة الأمريكية (الشرق أوسطية) لنصف القرن الماضي, يسلم بانحياز واشنطن لاسرائيل. غير أن الاراء والتحليلات المتعلقة بتفسير هذه الظاهرة وتحري منطلقاتها ومحدداتها الاولية والثانوية, تتمحور في عالمنا العربي حول طرائق شتى. والواقع أن تباين التفسيرات في هذا الاطار, لا يعبر فقط عن اجتهادات نظرية أكاديمية أو فكرية تجريدية, بل انه يمثل أيضا دليلا تسترشد به المؤسسات السياسية العربية في تعاملها مع المواقف الأمريكية, ولهذا, فإن صحة التفسيرات من عدمها, تؤثر على أنماط ردود الفعل العربية ازاء هذه المواقف. ويبدو أن هذا التباين أحد العناصر المسئولة عن وجود أكثر من سياسة عربية أمريكية. هناك أولا المدرسة التي تعزو الانحياز الأمريكي, الى حجم النفوذ اليهودي في الدوائر الأمريكية المؤثرة على صناعة القرار. فالقوى اليهودية المنظمة ومؤطرة بشكل ممتاز في الولايات المتحدة. وهي بخاصتيها هذه تستحوذ على قدر أكبر بكثير من حقيقتها الكمية في القطاعات الحيوية, المال والأعمال والاقتصاد والاعلام والتعليم.. الخ.. ثم انها تكرس هذه القدرة لدفع الولايات المتحدة بقضها وقضيضها خلف السلوك الإسرائيلي والمواقف الاسرائيلية. ويمكنها استخدام آليات النظام السياسي الأمريكي التي تملك ناصية مداخلها ومخارجها, في الهام صانع القرار هناك بمايتعين عليه فعله في مصلحة الجانب الإسرائيلي. كما انها عند اللزوم تعرف كيف تمارس الثواب والعقاب بحق الانصار والخصوم داخل هذا النظام. طبقاً لهذا التفسير, تكاد اسرائيل عبر الامتداد اليهودي في تضاعيف الحياة السياسية الأمريكية أن تكون جزءا من الداخل الأمريكي, ويستتبع هذا المنظور ويتصل به, تكييف العلاقة الخاصة مع اسرائيل من منطلقات مادية ملموسة يمكن احصاء منافعها امام الأمريكيين. فلهذه الدولة دور تضطلع به في صيانة المصالح الأمريكية الاستراتيجية والاقتصادية والفكرية والثقافية.. وكل مايقوم به اللوبي اليهودي ــ الصهيوني هو تعظيم المفهوم الأمريكي لهذا الدور, واقناع المؤسسات الأمريكية المعنية بعدم الاستغناء عنه والاستهانة بالتكلفة التي تقع على كاهل الولايات المتحدة من جرائه. ربما تكون تفاصيل هذا المنظور العربي معلومة, لكن الذي يحتاج الى اضاءة اقوى, هي تداعيات العملية والسياسات التي تنبني عليه فطالما أن الانحياز الأمريكي لاسرائيل يتأتى من هكذا تقدير, فما على العرب الا منافسة اللوبي اليهودي الصهيوني في الداخل الأمريكي من جهة, ومنافسة الدور الذي تنفرد به الدولة اليهودية في متابعة المصالح الأمريكية خارجيا من جهة أخرى, هذا ما توحي به هذه المدرسة خفية أو جهرة. وقد وجد تفسيرها اصداء حقيقية له خلال ربع القرن الماضي. حدث ذلك عبر التداعي الى محاولة امتطاء ملايين المسلمين والعرب لدحر النفوذ اليهودي الصهيوني داخل القلعة الأمريكية, وكذا عبر محاولة عرض خدمات عربية تطمئن واشنطن الى منافعها المختلفة في الشرق الأوسط, على نحو يفترض أن يؤدي لزوال التفرد الإسرائيلي في هذا السياق. وهناك ثانيا, المدرسة التي ترد التحالف الأمريكي مع اسرائيل ظالمة وظالمة, الى أصول ثقافية ودينية وفكرية غير منظورة, بل وربما كانت غير تاريخية, يصعب ان لم يستحل تجاوزها. فكل من الدولتين يمثل تجليا لتجربة استيطانية, وهما يشتركان في ميراث الحضارة الغربية. و هناك عشرات الكنائس الأمريكية التي يؤمها ملايين الأمريكيين الصهاينة غير اليهود الذين يؤمنون بعصمة التوراة وصحة نبوءاتها.. بمايجعل لاسرائيل وظيفة سماوية على الأرض, لا ينبغي التفريط فيها تحت أي ظرف دنيوي عابر. تأسيسا على هذا المنظور, لا ترى هذه المدرسة أي أمل في زوال نعمة المساندة الأمريكية لاسرائيل.. وهي تستقي من التاريخ عظات وعبر. فقد أفل نجم الاشتراكية ومعسكرها, وباتت المصالح الأمريكية بمأمن من المزاحمة الدولية في الشرق الأوسط منذ عقد بكامله.. ومع ذلك, مازالت اسرائيل على مكانتها أمريكيا, ولم يهيئ لعرب استعطاف واشنطن اقناعها بالعبء الإسرائيلي على مصالحها الاقليمية والدولية. ولذا, ليس أمام العرب الا أن يكفوا عن سياسة المناشدة الى تجميع عناصر القوة الذاتية لمواجهة هذا الحلف البغيض.. هذا إن كانوا جادين فعلا في التصدي للغزوة الصهيونية في عقر دارهم. نفهم بالطبع أن هناك مدرسة ثالثة توفيقية, تفسر السياسة الأمريكية الاسرائيلية بعوامل منظورة تعاقدية وأخرى لا منظورة غير تعاقدية. السؤال الآن, ألا يكفي التراكم المعرفي الموروث من خبرة السنوات الخمسين عاما الماضية لحسم الجدل بين هذه المدارس؟. لقد تقلب على الادارة الأمريكية خلال هذه الحقبة الممتدة كل ألوان الطيف السياسي الأمريكي المعروفة, المنضوية تحت لوائي الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وتبدلت البيئة العربية والاقليمية والدولية رأسا على عقب.. وظل الانحياز الأمريكي لاسرائيل ثابتا كجبل (تهزه الريح).. ومع هذا, بقي بين العرب من يعرفون أنفسهم بالانقلاب الأمريكي (النسبي لا بأس!) ضد هذا الثابت, الأمر الذي لم يحدث ولا بدت له نذر أو بشائر. كانت المواقف الأولية لادارة بوش الابن أحدث صدمة تلقاها هذا الفريق, (وكلنا أمل أن تكون الأخيرة). فقد عجلت هذه الادارة بإحباط كل الذين ودعوا الادارة الديمقراطية السابقة باللعنات, باعتبارها كانت عشا للدبابير اليهودية, ذلك بأن بدأ فيلق بوش بتسخين الآلة العسكرية الأمريكية ضد العراق, بهدف بث الفتنة العربية العربية.. ثم بطمأنة اسرائيل الى موقعها الحميم في واشنطن, وصولا الى تصريح كولن باول في الثامن من مارس الجاري بأن الولايات المتحدة تعتبر القدس عاصمة اسرائيل, وبأنها تؤيد مبدأ التفاوض بعد وقف (الارهاب الفلسطيني) (المسمى لدينا انتفاضة), وهي عين مواقف اسرائيل في عهد شارون. ذهبت ادارة كلينتون وغادرت معها الدبابير اياها, لكن السياسة الأمريكية لم تتغير بل وأوغلت في تجلياتها الصهيونية.. فمتى يكف المرجفون عن التبشير بالحل من واشنطن وينضمون الى دعاة الحل بفعل عربي مبادر مقاوم شأن أي أمة حية. * كاتب فلسطيني مقيم بالقاهرة