هل هناك فارق بين مبادرة (إيجاد), والمبادرة المصرية الليبية المشتركة, ومشروع مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي؟ ليس هناك فارق جوهري.. لكن المشروع الأمريكي أقرب الى مبادرة (إيجاد) من غيرها. فإعلان المبادىء الأمريكي الذي ابتدعته دول هذه المجموعة الأفريقية, وقبله من حيث المبدأ الطرفان (حكومة السودان وحركة قرنق), يقترح حلاً لمشكلة جنوب السودان على أساس دولة سودانية واحدة يتمتع فيها الجنوب بوضع فيدرالي بشرط أن تقوم الدولة السودانية على مبدأ فصل الدين عن الدولة. كما تقترح المبادرة أنه في حالة رفض الطرف الشمالي فصل الدين عن الدولة, يتم تنظيم استفتاء شعبي في الجنوب, يُقرر الشعب الجنوبي بموجبه مصيره النهائي بما في ذلك الانفصال كخيار بين خيارات أخرى. وإذ تقترح المبادرة المصرية الليبية أيضاً حلاً في إطار سودان موحد, فإن الدولتين صاحبتي المبادرة ترفضان أي ترتيبات يمكن أن تؤدي الى انفصال الجنوب.. وبالتالي لا توافقان على مبدأ تقرير المصير. لكن, ومع ذلك, فإنه بالرغم من أن المشروع الأمريكي المعنون (سودان واحد ونظامان) لا يختلف جوهرياً عن المبادرتين فإن له ميزة خاصة هي الحد الفاصل والقول الفصل بينه وبين (إيجاد) والمبادرة المشتركة.. إذا افترضنا أن الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة بوش تقبل المشروع. وهذا, بالنظر الى قرب مركز الدراسات الأمريكي من آلة صُنع القرار الأمريكية, ليس افتراضاً غير واقعي. الميزة هي أن المشروع يحظى بتبني قوة عُظمى لها ما لها من أدوات الضغط والإغراء على كل من الحكومة السودانية والمعارضة الجنوبية, مما لا يتوفر لدول (إيجاد) الأفريقية أو مصر وليبيا. هذا مع الأخذ في الاعتبار أن أدوات الضغط والإغراء هذه لن تكون صالحة للاستعمال إذا لم تقبل الولايات المتحدة على النزاع بروح توازنية وحيادية. وهذا بالضبط ما تُشدد عليه ورقة مركز الدراسات الاستراتيجية الأمريكية من خلال النقاط الآتية: ــ أن تُشرك الولايات المتحدة معها في توسطها بين الحكومة السودانية والمعارضة الجنوبية دولاً أوروبية وعربية وهيئة الأمم المتحدة. ــ أن الهدف الأساسي والفوري للوساطة الأمريكية هو وضع نهاية سريعة لحرب الجنوب بتحقيق اتفاق بين الطرفين المتقاتلين. ــ أن توضح الادارة الأمريكية للحكومة السودانية أن وقف الحرب سوف يفتح أمام السودان الطريق للدخول (في علاقات مفيدة مع المنظمات المالية الدولية) وتوسيع استكشاف وإنتاج النفط. ــ أن توضح واشنطن أيضاً للمعارضة الجنوبية أن من الممكن لها تحقيق مكاسب لجهة المصالح الاقتصادية والسياسية لجنوب السودان. لكن ماذا لو رفض أحد الطرفين أو كلاهما فكرة المشروع الأمريكي؟ في مثل هذه الحالة تقترح الورقة الأمريكية ما يلي: ــ أن ترفض الولايات المتحدة تطبيع علاقاتها مع الحكومة السودانية مع استمرار العقوبات المفروضة على السودان. ــ أن توضح واشنطن للمعارضة الجنوبية أن الدعم الأمريكي الذي تحصل عليه (سوف يُصبح معرضاً للخطر). والآن, إذا افترضنا أن إدارة بوش تتبنى فعلاً مشروع مركز الدراسات الأمريكي, فهل هو مشروع عملي؟ وقبل ذلك هل هو مشروع منصف لشمال السودان وجنوبه في آن معاً؟ أقول مبدئياً وبصورة أولية وبغير قليل من الحذر إنه كذلك. وفي هذا السياق فإنني أتحدث عن الفكرة الأساسية لا التفاصيل. وربما يكون هناك تخوف لدى الحكومة السودانية من أن لواشنطن أجندة خفية مدّخرة لمرحلة لاحقة. ولكن ماذا تخسر حكومة السودان إذا دخلت في تفاوض رسمي مع الولايات المتحدة بهدف استجلاء أي غموض؟