رحل عن دنيانا في الأسبوع الماضي عدد من أبناء جيل العبد لله, من بينهم عادل حسين وعلي الشوباشي. وقد تعرفت على عادل حسين خلال معركة الشعب المصري ضد قوات الاحتلال في منطقة القناة, وهي المعركة التي نشبت بعد الغاء النحاس باشا لمعاهدة عام ,1936 والتي قال قولته الخالدة في بيانه أمام مجلس الشعب (من أجل مصر وقعت معاهدة ,36 ومن أجل مصر أعلن الغائها) كان عادل كغيره من شباب جيله يتفجر حماسا ووطنية, ولكنه كان يبدو دائما أكبر من سنه, وأكثر استعدادا للتضحية من زملائه, وقد تعرفت على عادل حسين من خلال الزميل الصحفي علي جمال الدين طاهر رئيس تحرير وكالة (أورينت برس) اللبنانية عندما سألت علي عن وضع عادل في الحزب الاشتراكي أجاب على الفور إنه رئيس الحزب في المستقبل. وخلال السنوات الطويلة لاحظت أن عادل حسين لم يمارس أي عمل في الحياة إلا العمل السياسي, كان يأكل سياسة ويشرب سياسة ويتنفس سياسة. لم يكن مهما أن يقف, في أقصى اليمين أو في أقصى اليسار, المهم أنه يغوص في بحر السياسة ويخوض في صحراء السياسة, مصر هي همه ومصلحة مصر هي هدفه, وسكة أبو زيد كلها مسالك, وكل الطرق تؤدي الى روما. وبموت عادل حسين نكون قد فقدنا واحدا من أبرز السياسيين في جيلنا, وقد آن له الآن أن يستريح بعد موته عقب رحلة صراع طويلة لم يسترح فيها لحظة ولم يهدأ فيها لحظة, عانى فيها من السجن والاعتقال, وبالرغم من كل شيء ظل واقفا على قدميه ماضيا على الطريق الذي اختاره بنفسه لنفسه, لم يهزمه إلا الموت وهو نهاية كل حي. رحم الله عادل حسنين الذي اختلفت معه أحيانا واتفقت معه أحيانا, ولكني حافظت على احترامه في كل الأحوال. وكما رحل عادل حسنين فجأة, رحل عنا فجأة أيضا الصديق الصحفي علي الشوباشي. ولقد تعرفت على الزميل علي الشوباشي منذ فترة طويلة, ولكني لم أكتشفه إلا خلال اقامتنا معا في سجن المحاريق بالواحات الخارجة, كانت أياما صعبة ومظلمة من المشي حفاة على الأشواك, الى حمل الرمال من مياه البرك التي تعوم فيها العقارب الصغيرة, الى العمل وسط شقوق الحيات السامة. ولكن ابتسامة علي الشوباشي كانت تضيء أيامنا البائسة, وهدوء نفسه كانت بلسما للأعصاب المتوترة. وكان متفائلا على الدوام, فالغد سيكون أفضل, والمستقبل سيكون أكثر اشراقا, لم يتأثر في أي وقت باللغة الحنجورية التي تصاعدت بغباء الى درجة اتهام السلطة الوطنية بالعمالة للمخابرات الأمريكية, وكان يرى أن الخطأ متبادل, بدأته التنظيمات اليسارية, وردت عليه السلطة بخطأ مماثل, وكان يسخر من التحليلات الماركسية الغبية, التي تنبأت بأن النهاية ستكون تعليق كل المسجونين السياسيين على أعواد الشجر. وظل علي يشيع الابتسام والتفاؤل, حتى مرت المحنة بسلام وتم الافراج عن الجميع. وبعد خروج علي من السجن أضطر الى الخروج من الوطن, وذهب الى باريس ليمارس من هناك مهنة الصحافة التي عشقها, واستطاع أن يبرهن على كفاءته وجدارته, وصار في النهاية نجما من نجوم وكالة الأنباء الفرنسية. وبمعاونة زوجته فريدة الشوباشي تحول منزلهما في باريس الى سفارة لمصر في العاصمة الفرنسية. وواظب علي الشوباشي على عشقه لمصر وقلقه الدائم عليها. وكانت له زيارة سنوية للقاهرة تمتد عدة أسابيع يلتقي فيها بأصدقائه العديدين. وأخيرا ترك علي عمله في الوكالة الفرنسية بعد بلوغه سن المعاش, وغادر باريس كلها وعاد الى القاهرة ليستقر على أرضها. وفي آخر زيارة له للعبد لله في نادي الصحفيين النهري بالجيزة, فاتحني الآخ علي في رغبته واستعداده لترجمة كتابي (حمار من الشرق) الى الفرنسية. ولكن لأن العبد في التفكير والرب في التدبير, أمهلته حتى يصدر الجزء الثاني بعد أشهر قليلة. لم أتصور أن علي سيفارقنا ويفارق دنيانا بعد أسابيع قليلة. وكما عاش كالبسمة الرقيقة رحل كالنسمة الهادئة. رحمة الله عليه رفيق رحلة الواحات الرهيبة الذي كانت بسمته الرائعة هي الدواء الشافي لنفسي الغاضبة ولأعصابي القلقة بسب أوضاع السجن وقساوته. رحمة الله عليه الذي كان سندي في مواجهة الأغبياء من بتوع الحنجوري الذين احتكروا القيادة في سجن المحاريق بالواحات الخارجة, وخالص عزائي للاذاعية الموهوبة فريدة الشوباشي زوجة الأخ والصديق علي!