نسوق هنا تجربة مسرح دبا الفجيرة التي تكونت فرقته في احدى المدارس بمجموعة من الطلبة تحلقوا حول استاذهم الذي اخذهم وراح يشرح لهم الخطوات الصحيحة فوق خشبة المسرح المدرسي, نسوقه كنموذج بسيط على انه حينما يلتقي الاصرار بالرعاية تنبت الاحلام في بيئتها الحقيقية. اولئك الطلبة وذلك المدرس تدربوا كثيرا على تمثيل المسرحيات, عانوا كثيرا, قطعوا اخشاب الديكورات بأيديهم ووزعوا في الشوارع والبيوت اعلانات مسرحياتهم, وكانوا يدعون الجميع لحضور تمثيلياتهم, كبروا شيئا فشيئا مع هذا الحلم ومع هذا الفعل, وبدل المدرسة وجدوا انفسهم يلتقون في احد المقاهي للتفكير في مسرحيات جديدة, ثم انضموا إلى جمعية دبا للفنون الشعبية وهناك وجدوا مكتبا وتليفونا وجهاز فاكس, فصار الاتصال بالاخرين وبالجمهور سهلا, رعتهم بلدية الفجيرة وبنت لهم مصطبة من الطابوق والاسمنت, وكانت تلك خشبتهم المسرحية رغم انها ليست من الخشب كما هو المعتاد. وانطلقوا من جديد في تأليف المسرحيات واخراجها وتمثيلها, وكانوا يستدرجون سكان الجبال والمزارعين والنساء والأطفال لمسرحهم, فصار لدبا الفجيرة موسم مسرحي خاص بها وبفرقتها المكونة من اولئك الطلبة. في العام الماضي ذهبت هذه الفرقة لتقديم عروضها المسرحية في العاصمة الاردنية عمان, وبعدها طارت الفرقة إلى ايطاليا, ثم عادت تلك الفرقة من الرحلتين لتقدم بالأمس مسرحيتها الجديدة في مهرجان ايام الشارقة.. انهم حقا ابناء الجبال الذين نحتوا في صخرة المسرح المحلي وعبروا الحاجز ببراعة. والتقى الاصرار بالرعاية حينما وجدت حكومة الفجيرة في هذا المسرح سفيرا لفكر ابنائها فمدتهم بالامكانات وها هي تصر على رعايتهم إلى النهاية. إلى هنا تنتهي قصة هذه الفرقة التي ولدت في المدرسة, ثم المقهى, ثم رحاب جمعية للفنون الشعبية. ونقول كم من هم مثل هؤلاء المغمسين في حرارة الاصرار وبحار الاحلام ينتظرون من يلتفت إلى امكاناتهم؟ وكم هناك من المبدعين الذين ينتظرون مكانا لممارسة الاحلام وبيئة صالحة وراع يعي تماما كيف يمكن اطلاق مثل تلك التجارب الابداعية؟ في الموسيقى والطرب الجاد, في الفنون الشعبية التراثية, في المسرح, في الرسم, في الشعر, في القصة, وفي كل مجالات الفنون الانسانية هناك نبت يظهر هنا وهناك لكننا قد نتغافله في المعمعة الكبيرة. قصة خروج فرقة مسرح دبا الفجيرة إلى خارج الحدود ليسمع الاخر بحة حناجرهم ولغة اجسادهم, وليحدق في عيونهم الجبلية الصادقة, قصة مثالية وتجربة حية لمشاريع شبابية يمكن استثمار انجازاتها لصالح الثقافة المصدرة إلى الآخر. انتبهوا للنبت الصالح كي لا تدهسه العربات التي تجلب المستورد.